بيان من الحزب السوري القومي الاجتماعي بعنوان الشام بين “التغيير” الأميركي والدفاع عن النظام
حُكم الاقليات المتسلِّط بأشكاله المتنوعة من “ديكتاتورية” الحزب الحاكم في الشام والعراق إلى “ديمقراطية” الطائفة الحاكمة في لبنان، خدم بشكل أو بآخر، المشروع الأميركو-يهودي لمدة طويلة في المنطقة (لبنان: 1940-1990، العراق: 1966-2003، الشام: 1963-اليوم)، عبر حفاظه على ستاتيكو التجزئة والتخلف والتناحر والاحتقان الطائفي والفساد في محيط فلسطين.
الاستهداف الأساسي للمشروع اليهودي هو السيطرة على سورية الطبيعية من الفرات إلى النيل، كمرحلة أولى لتوسيع نفوذه الإقليمي والعالمي.
لتحقيق ذلك، لا بدّ أوّلاً من شرعنة وجود الكيان اليهودي المغتصِب عبر إحاطته بكيانات طائفية تشبهه، متناحرة في ما بينها، تحتكم إليه.
وهذا هو الهدف الإستراتيجي البعيد الأمد الذي حمّله المشروع اليهودي للسياسات الأميركية في المنطقة.
لكن التخطيط الأميركي يفضّل مرحلة الأهداف الإستراتيجية إلى خطط عملية قابلة للتحقيق. لذلك وضع نصب عينيه منذ مطلع التسعينات من القرن المنصرم، تبديل أنظمة حكم الأقليات المتسلطة في الكيانات الموجودة إلى حكم توازنات طائفية أقرب إلى الفدراليات، في كلّ كيان، بحيث تحوّل الكيان إلى برميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة، وتحضر الشعب نفسيًا للتعايش مع فكرة التقسيم، بعد تربية أجيال جديدة على التنافر ورعاية وتظهير التمايزات الطائفية والعرقية داخل كلّ كيان، تحت ستار الديمقراطية وحقوق الأقليات وقبول الآخر، فيما الحقيقة هي تهيئة العقل الباطني لتظهير بشاعة الآخر واختلافه، تمهيدًا لرفضه، والمطالبة بالانسلاخ عنه.
هذا الحلّ المرحلي طُبِّق في لبنان في اتفاق الطائف. لكن تسلط حكم المخابرات الشامية، برغم كلّ مساوئه، أخّر ظهور فعالية هذا الحلّ المرحلي في تعبئة المجتمع ضدّ نفسه، إلى ما بعد 2005. ونحن اليوم في لبنان نعاني من ظواهره المرضية واحتقاناته الطائفية التي قد تفجّر البلد مرة أخرى وتؤدّي به إلى التقسيم أو الكانتونات أو الفدرالية التي تجد من يسوِّق لها من الآن!
وهذا الحلّ نفسه طُبِّق في العراق في ظلّ الاحتلال الأميركي منذ 2003، حيث أعيد تركيب البلد على أساس فدرالي بين ثلاثة ميني-كيانات جاهزة للانفصال عند أي هزة. وقد فتح هذا الواقع المجال واسعًا أمام الأصابع الأجنبية للولوج من الأبواب الواسعة لتعميق التمايز. فنجد النفوذ الإيراني يطغى على الميني-كيان الشيعي. والتنافس على أشدّه بين السعودية وتركيا والشام للإمساك بورقة الميني-كيان السنّي، مع ما للتطورات الحالية في الشام من تأثير على هذا التنافس. بينما الميني-كيان الكردي الذي يفتقر إلى دولة إقليمية كردية تحميه، يلجأ مباشرة إلى الكيان اليهودي، لينسج على منواله كيانًا كرديًا يجتذب أكراد الشام وتركيا وايران.
واليوم دور الشام في المخطط الأميركي. فمن ناحية سياسية مرحلية، تُعتبر الشام قلب محور الممانعة وصِلة الوصل بين إيران والمقاومة في لبنان، وأي ضرر يصيب الشام سينعكس حتمًا على هذا المحور. لكن هذه أهداف سياسية مرحلية تصبح باهتة أمام الأهداف الإستراتيجية التي تطال البنية الاجتماعية السياسية للكيان الشامي برمّته.
إن الهدف الإستراتيجي الأميركو-يهودي هو تقسيم الشام. لكن تحقيق هذا الهدف عن طريق الصدمة سيحدث حربًا أهلية طاحنة لن ينجو من آثارها لا تركيا ولا الكيان اليهودي ولا المحيط الطبيعي للشام في العراق ولبنان والأردن وفلسطين بالطبع. وهذا يؤثر سلبًا ليس فقط على حلفاء أميركا في المنطقة أي تركيا وإسرائيل، بل أيضًا على المصالح الأميركية المباشرة في العراق والخليج. لذلك تفضِّل السياسة الأميركانية الذهاب إلى مرحلة انتقالية تحضيرية في الشام، تركَّب فيها السلطة على المنوال اللبناني العراقي، فيبقى الرئيس علويًا لكن بصلاحيات أقل، ويعطى رئيس الحكومة السني (الأميركو-سلفي مبدئيًا) صلاحيات أوسع في الحكم، كما هي الحال في لبنان مع رئيس الحكومة السني، وفي العراق مع رئيس الحكومة الشيعي. وهذا ما طرحه الأتراك والخليجيون على الرئيس الأسد منذ بداية الأزمة، مع ما رافق ذلك من إغراءات وترهيب. وهذا ما كان يقصد به السيد أوباما عندما كان يطالب الرئيس الأسد بقيادة التغيير أو التنحّي.
الرئيس الأسد والفريق المحيط به اختار الدفاع عن طبيعة النظام، مع النية لتطبيق إصلاحات توسِّع هامش الديمقراطية وتقلّل من تفشّي الفساد، دون المساس بالتركيبة الأساسية للنظام الأقلّوي. وقد عبّأوا الأقليات العلوية والمسيحية وغيرها للدفاع عن طبيعة النظام عبر تخويفها ممّا قد يحصل إذا حكمت الأكثرية السنية. فكان بهذا الموقف مدافعًا عن النظام الحالي كما فعل الرئيس أمين الجميل في دفاعه المستميت واليائس عن المارونية السياسة في لبنان في أواخر الثمانينات، وكما فعل الرئيس صدام حسين في دفاعه عن السنية البعثية السياسية في العراق على مدى أكثر من عشر سنوات بين حرب الخليج الأولى واحتلال العراق، بالطبع مع اختلاف مواقفهم السياسية.
وقد نجح الرئيس الأسد وفريقه في صدّ كل التهديدات الداخلية عبر التخلّص من البؤر المسلحة التي استخدمتها أميركا وتركيا لتفرض عليه قبول المضيّ “بالتغيير” المطروح عليه، وبالتالي تغيير طبيعة النظام إلى حكم توازن طائفي “تعددي” عن طريق جرّه إلى شبه “طائف” شامي. وأصبح بإمكانه التفاوض، إمّا على إبقاء النظام الأقلّوي مع بعض التعديلات، أو التقدّم إلى دولة مدنية تتجاوز مطبّات نظام التوازن والتعدّد الطائفي، والحَلاّن مرفوضان أميركيًا. فإبقاء النظام الأقلّوي مع تعديلات وإصلاحات داخلية يعني إطالة أمد الدولة المركزية في الشام، القادرة على فرض شروطها في المنطقة ومقارعة المشروع الأميركو-يهودي. والدولة المدنية اللاطائفية الحديثة تقود البلاد والمنطقة بأسرها في اتجاه معاكس لهذا المشروع وتسهم في تقويض كلّ مخططاته.
من هنا استشعر السيد أوباما وأتباعه في اوروبا خطورة الوضع، وترنّح مشروعهم في الشام، مما قد يضطرهم إلى العودة إلى طاولة المفاوضات مع النظام الشامي وحلفائه في إيران والعالم، فشمّر عن زنوده وضرب عرض الحائط بتوسّلات السيد أردوغان بتأجيل طلب تنحّي الرئيس الأسد. وبعد تردّد بضعة أيام، قرّر خوض المعركة الأخيرة بنفسه، لعله بذلك يستطيع إنقاذ مشروعه بتغيير النظام الشامي بدون الرئيس الأسد، طالما أنّ الأخير يرفض أن يقود هذا “التغيير” المطروح عليه. فكان التصريح الشهير الذي اعتبر تغييرًا في المناخ الدولي تجاه الشام، والذي طالب فيه أوباما بتنحي الرئيس الأسد.
في هذه الفوضى العارمة لا بدّ من توضيح موقفنا مما يحصل.
نحن أصحاب الخطة النظامية المعاكسة للمشروع اليهودي، وكافة المخططات الغربية الحليفة له، هل يمكننا أن نكون مع مطالب التغيير الأميركانية التي تهدف إلى نقل الشام من نظام الحكم الأقلّوي إلى نظام توازن طائفي “تعددي”، مع كلّ التزيينات الأميركية للنظام المسوَّق من قبلهم بـ “الديمقراطية والتعددية وقبول الآخر والازدهار”، وبالرغم من كلّ مآخذنا على النظام الحالي وما أنتجه من فساد وقمع وطائفية وتسلّط؟ حتمًا لا، لأن خبرتنا وتجاربنا في العراق ولبنان تنبئُنا بأن كلّ التزيينات المطروحة تزول كحصّ ملح، ويبقى لنا المزيد من التجزئة والعجز والتناحر خدمة للمشروع الأميركو-يهودي. وهل الدفاع عن النظام الأقلّوي التسلّطي يستجيب لمطالب شعبنا في الحرية والتطور والتقدم، سواء ببعض الإصلاحات التجميلية أو بدونها؟ حتمًا لا، وقد أثبت هذا النظام أنه كلما ارتاح إلى وضعه كلما أجل الإصلاح ومدّد الواقع المؤقت لتمديد استفادة رموزه من السيطرة على مقدّرات البلاد.
إنّ بديلنا عن الاثنين هو بالنضال من أجل إقامة الدولة القومية الاجتماعية المدنية الحديثة، التي تلبي مطالب الشعب من جهة، وتحصّن المجتمع في الشام، ولاحقًا في سورية الطبيعية كلها، في وجه المشروع الأميركو-يهودي ومخططات تفتيت أمّتنا لتبرير وجود الكيان اليهودي وتعزيز قبضته على المنطقة بأسرها.
غير أنّ الممرّ الإلزامي في هذه المرحلة لتحقيق هذا البديل، هو بأولوية إفشال وصدّ السياسات الأميركية والغربية الرامية إلى إسقاط النظام الحالي، ومطالبة الرئيس الأسد بإجراء إصلاحات جذرية وعميقة تنقل البلد من نظام حكم أقلّوي يرتكز إلى تحكم الحزب الواحد والعقلية الأمنية بمقاليد البلاد، إلى دولة مدنية حديثة تقوم على التعددية الحزبية وحرية العمل السياسي والصراع الفكري لما هو أفضل للمجتمع، تستطيع أن تنتج رؤى وإستراتيجيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية وتربوية تستنهض القدرات الكامنة في المجتمع، وتحصنه من الداخل، وتعيد للدولة مكانتها الرائدة في المنطقة والعالم.
أنّ إنقاذ الشام من الأزمة الحالية وبناء دولتها المدنية الحديثة الحرة، هو المدخل لإعادة إنقاذ العراق ولبنان من أنظمتهما الطائفية الحالية، ولاستعادة منعة الأمّة ووحدتها، وبناء تكتل اقتصادي تنموي على مدى الهلال السوري الخصيب، يؤسس لمرحلة جديدة من الوحدة والنهوض لدحر المشروع اليهودي وتحرير فلسطين.
الرفيق د. ميلاد السبعلي
19-8-2011
المعلومات الأساسية
تاريخ الصدور
البلد المستهدف
المحافظة المستهدفة
iranDocument
نوع الوثيقة
اللغة
كود الذاكرة السورية
الجهة المصدرة
وثائق أخرى للجهة المصدرة
رسالة عمدة الداخليّة في الحزب السوري القومي الاجتماعي لشهر كانون الـأول 2020
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2020/12/29
عيد التأسيس للعام الحزبي 89
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2020/11/15
بيان من رئاسة الحزب الحزب السوري القومي الاجتماعي بعنوان انتخابات الرئاسة الشامية بين الفراغ والاستعصاء
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/05/04
رسالة عمدة الداخليّة في الحزب السوري القومي الاجتماعي لشهر كانون الثاني 2021
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/01/13
بيان من رئاسة الحزب السوري القومي الاجتماعي بعنوان آذار 2021
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/03/10
بيان من الحزب السوري القومي الاجتماعي حول عيد الفداء 2021
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/07/07
بيان الحزب السوري القومي الاجتماعي بعنوان طعنُ المقاومة في ظهرها خيانة كبرى
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/08/06
الحزب السوري القومي الاجتماعي بيان عمدة الإذاعة بعد أحداث الطيّونة
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/10/14
الحزب السوري القومي الاجتماعي: تصريح رئيس الحزب إلى وكالة تسنيم الدولية للأنباء
نوع الوثيقة:
بيان صحفي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/07/10
رسالة عمدة الداخليّة في الحزب السوري القومي الاجتماعي آذار 2021 عقيدة ـ نظام
نوع الوثيقة:
بيان سياسي
الجهة المصدرة:
الحزب السوري القومي الإجتماعي - الانتفاضة - علي حيدر
تاريخ الصدور:
2021/03/01
شخصيات مرتبطة
كيانات متعلقة
لايوجد معلومات حالية
يوميات مرتبطة
لايوجد معلومات حالية