الذاكرة السورية هي ملك لكل السوريين. يستند عملنا إلى المعايير العلمية، وينبغي أن تكون المعلومات دقيقة وموثوقة، وألّا تكتسي أيّ صبغة أيديولوجية. أرسلوا إلينا تعليقاتكم لإثراء المحتوى.أرسل ملاحظة

تقرير (حالة الثورة) الصادر عن المؤتمر التشاوري للتيار الشعبي الحر المنعقد في عينتاب - تركيا

تقرير حالة الثورة

حالة الثورة السورية

أفرد المؤتمر التشاوري للتيار الشعبي السوري الحر( المنعقد في مدينة غازي عينتاب / تركيا بين 27 - 28 أيلول/ سبتمبر 2014) حيزا من جدول اعماله لرسم صورة موضوعية ل" حالة الثورة السورية " وتقييم تجربتها بناء على فرشة كافية من المعطيات والبيانات الموضوعية السياسية والعسكرية تتضمن وتشمل الجيش الحر وأوضاعه العسكرية الميدانية والتسليحية , وسيرورة التطورات التي مر ويمر بها.

وقد توصل المشاركون في المؤتمر إثر حوار مسهب وغني تميز بالرؤى المعمقة والشمول إلى التقييم التالي لحالة الثورة , وهو ينقسم الى ثلاثة مستويات:

أولا - عن المشهد العام الحالي:

لا بد أن نعترف بداية بأن الرؤية الخارجية للمشهد العام للثورة السورية تشير إلى مظاهر وظواهر متلاحقة تسجل عوامل تراجع وضعف واهتراء , بل وتسجل حالات تفتت وانحرافات وفساد مسيئة , مما يولد درجة عالية من الاحباط , وربما القنوط . وأهم المظاهر التي يسجلها الرأي العام السوري هي التالية:

1 - استمرار النظام وعدم سقوطه بعد ثلاث سنوات ونصف من الثورة المتواصلة والنضال المستميت.

2 - إحراز قوات النظام مكاسب استراتيجية في بعض الاجزاء وخاصة حمص ودمشق , وعودة أجزاء غير قليلة من الاراضي التي تحررت عامي 2012 و2013 الى قبضة النظام.

3 - انتشار الفوضى العسكرية والامنية في معظم المناطق المحررة , وتراجع مصداقية الجيش السوري الحر لاسباب كثيرة.

4 - حالة مستشرية ومتوالية من التذرر والتشظي والانقسامات , بل والصراعات الدموية بين فصائل الثورة العسكرية والسياسية على حد سواء الأمر الذي خلف آثارا سلبية عميقة في ألاوساط الشعبية واعطى انطباعا بعدم جدوى وفعالية الرهان على قوى الثورة المسلحة, ودفع اطرافا وشرائح لتبني الدعوة للعودة لأحضان النظام.

5 - اخفاق المعارضة السياسية في تقديم نموذج مقنع ومرضي على صعيد الاداء السياسي , وفي مجال العمل الخدمي والانساني وحل مشاكل السوريين في الداخل والخارج.

6 - انتشار وتفريخ الحركات الدينية المتطرفة كالنصرة والقاعدة وداعش وتضخم أدوارها وسيطرتها , وطغيان مفاهيمها الرجعية التي تهدد مستقبل سوريا وتهدد وجودها وكيانها كدولة ومجتمع , وتصوير هذه الكائنات كما لو انها ولادات شرعية وطبيعية تخرج من رحم الثورة ونتيجة حتمية لها.

7 - اتجاه المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة خلال الشهور الأخيرة إلى صرف الانظار عن ارهاب النظام السوري الى الارهاب الذي تمثله حركات التطرف الأخيرة , ثم اعادة جدولة الأولويات بطريقة لا تخدم سوى نظام الاسد وحلفائه بطريقة تعمق الشعور العام باليأس , وتعطي الانطباع باستحالة انتصار الثورة , وأن النظام باق بإرادة دولية جازمة.

هذه المعطيات صحيحة في الظاهر وإن كانت لا تصمد أمام النقاش العلمي ولا يمكن التسليم بها تسليما تلقائيا , لأن لكل مظهر منها أسبابه الموضوعية التي يتعين تحديدها والوقوف أمامها حتى لا تتحول ممارسة النقد والنقد الذاتي الى عملية لجلد الذات وتعذيبها بطريقة مازوتشية . وهي حالة بدأت تشيع بين السوريين بسبب اليأس, وحتى لا ننزلق من المراجعة البناءة الى التهديم اليائس والاغراق بالتشاؤم والاحباط.

ثانيا - على الصعيد العسكري والميداني:

ظهرت التشكيلات العسكرية الاولى للثورة بمبادرات محلية متفرقة في بؤر متعددة من بؤر الثورة أواخر عام 2011 , وكانت تفتقر للهيكلية الموحدة على مستوى البلاد أو على مستوى الثورة, كما تفتقر للرأس أو للقيادة الواحدة , بل وللتنسيق فيما بينها . وكلها ظروف مفهومة بحكم آليات النشأة الموصوفة , ومع الوقت برزت الحاجة بشكل ماس ونتيجة حدة المواجهة مع قوات النظام لتبادل الدعم والتنسيق بين هذه الجماعات في المناطق المتقاربة جغرافيا . ثم تلتها دعوات للوحدة والتنسيق , ثم مبادرات جدية لانشاء هيكلية موحدة ألحت عليها (الدول الصديقة) وجعلتها بمثابة شرط لتطوير دعمها بالسلاح والمال , وقد تكللت المبادرات بالنجاح نسبيا في المؤتمر الذي انعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 , وأسفر عن تشكيل أول هيكلية موحدة لأكثرية القوات الثورية المقاتلة ضد النظام سميت (الجيش السوري الحر) , وقسمت البلاد الى خمس جبهات شمالية وجنوبية وشرقية وغربية ووسطى وبنيت هيئة أركان , وقيادة, وغرفة عمليات .. وكل ما يتوفر في الجيوش والفصائل العسكرية المنظمة , إلا أن تشكيلات عسكرية محلية هنا وهناك رفضت الانضمام للاطار السابق نتيجة نزاعات جهوية وفئوية وسياسية عديدة , كان في صدارتها بروز الاتجاهات الاسلامية التي تبنت توجهات وأجندات مناقضة للمشروع الوطني العام الذي تبنته قيادة الجيش الحر والقوى السياسية التي وضعت ميثاق وحدتها الوطنية وحددت مبادىء النظام الديمقراطي الجديد بعد التغيير . ثم تعرض الجيش الحر لاختبارات ميدانية متلاحقة أهمها فشله في حماية القصير من السقوط , وفشله في فتح جبهة الساحل , وفشله في تحقيق الانضباط العسكري التنظيمي والحد من شيوع الفوضى , وفشله في توفير السلاح النوعي لتطوير قوته ودوره , ثم - وهذا هو الاهم - فشله في الحفاظ على وحدته , إذ تتالت النزاعات والانقسامات العميقة بين قادته وتبادل هذه الاطراف للاتهامات بالخيانة والفساد , ثم تتوجت هذه السلسلة من الاخفاقات بهزيمة الجيش الحر أمام هجمات الفصائل الاسلامية المعادية كالقاعدة والنصرة وداعش التي احتلت أجزاء واسعة من(الاراضي المحررة) .. هذه التطورات لم تبق من وحدة الجيش الحر وفعاليته وهيبته ومصداقيته إلا اقل القليل.

والواقع أن هذه الاخفاقات لا يمكن ارجاعها كلها لعوامل داخلية وذاتية , بل إن نسبة كبيرة منها تعزى لعوامل موضوعية أجنبية أهمها:

1 - اختراقات عميقة وكثيرة لاجهزة الاستخبارات التابعة للأسد.

2 - اختراقات كثيرة لدول واستخبارات أجنبية مثل ايران وروسيا بل وحزب الله والاردن فضلا عن تركيا.

3 - اختراقات مشابهة للمنظمات الاسلامية الكبرى كالقاعدة وداعش والنصرة.

4 - تحكم الدول (المانحة - الصديقة) وخاصة أمريكا وبريطانيا وفرنسا والسعودية وقطر بمفاتيح وشرايين التمويل والتسليح , وتدخلها في كل الخطط الميدانية والعسكرية ووضعها خطوطا حمرا أمام المقاتلين , وفرضها شروطا قاسية ومهينة تتعارض مع المصالح السورية والسيادة الوطنية.

5 - انعكاس صراعات الدول العربية المانحة والممولة على وحدة المؤسسة العسكرية ووحدة قرارها ووحدة هيكليتها وأوضحها الصراع السعودي - القطري . والصراع التركي – السعودي.

6 - انعكاس الخلاف والانقسام بين مؤسستي الثورة السياسية ممثلة بالائتلاف وكذلك الحكومة المؤقتة من ناحية , والمؤسسة العسكرية ممثلة بالجيش الحر.

نتيجة كل ما سبق تراجعت مكانة وأهمية الجيش الحر وتراجعت سيطرته الميدانية , وأصبحت الساحة السورية مفتوحة لعشرات حتى لا نقول مئات التشكيلات العسكرية المختلفة : سورية واجنبية, ووطنية واسلامية , حزبية , وعشائرية , وطائفية , وفئوية , وكل منها تستمد قوتها من ممول أجنبي أو داعم سياسي اقليمي . وكثيرا ما تحولت الانقسامات الى صراعات مسلحة واغتيالات وتصفيات , حتى أن داعش صفت وانهت انهاء تاما ألوية عديدة تابعة للجيش الحر كما في شمال حلب.

العين الخبيرة التي ترصد مجمل هذه التطورات لا بد أن تلمح بوضوح بصمات (سلطة خفية) عملت بدأب على الحيلولة دون تطور قوة ودور الجيش الحر كذراع مسلحة للثورة السورية , وحالت دون تعزيز قوته واستقلاليته وحرفيته , وأن تلحظ رغبة واضحة في الانتقام منه ومن العسكريين الذين انشقوا عن جيش الاسد وحققوا للثورة انجازات عسكرية استراتيجية في العام الاول وتيئيسهم كما لو أن قيادة بعض (الاطراف) المحسوبة على الثورة تدار مباشرة من هيئة أركان دمشق , وهو أمر غير متعذر على أجهزة النظام المحترفة!!

ولا بد من الاعتراف بواقعية وجرأة أن الآثار التي ترتبت على تلك العوامل والتطورات أدت إلى انحسار الجيش الحر عن مساحات كبيرة من الاراضي والمدن المحررة , وخاصة حمص وحماة والساحل لصالح النظام , والرقة والطبقة ودير الزور لصالح داعش , والحسكة والقامشلي والجزيرة لصالح قوات حماية الشعب الكوردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي . وحسب سليم ادريس القائد السابق للجيش الحر فقد تراجعت نسبة الاراضي المحررة من حوالي 65 % من اجمالي اراضي سوريا في مطلع 2013 الى أقل من 35 % في اواسط 2014.

ومن الملاحظ أيضا في الفترة الاخيرة أن النظام استغل انشغال العالم بمحاربة داعش والقتال في عين العرب ليتقدم على جبهات واسعة في حلب بتدخل عسكري وبشري ايراني مباشر , مما أدى لانتزاع مساحات مهمة من المناطق التي كانت محررة في شمال وشرق حلب , وظهور امكانية تهديد وقوع حلب تحت حصار خانق من جانب قوات النظام الزاحفة عليها من الشرق والشمال ما يؤدي تدريجيا الى اغلاق معبرها الاستراتيجي الوحيد في الشمال الذي يؤمن لها الواردات المدنية والعسكرية الحيوية من الخارج عبر تركيا . كما استطاعت قوات الاسد احراز نتائج مماثلة في ريف حماة , واستطاعت في ريف دمشق خنق مناطق واسعة , نتيجة حصار طويل وعملية انهاك اقتصادي واستنزاف عسكري فضلا عن حالة تشرذم بين القوات المدافعة وعنصر الخيانة أدت في المجمل الى السيطرة على مناطق حيوية سبق لها أن ضربت المثل الرائع في الصمود والمنعة والشجاعة.

ولكن لا بد من التذكير بالمقابل إلى أن قوات المعارضة المسلحة ما زالت تحرز انتصارات ميدانية ذات قيمة كبرى في جبهة الجنوب , وفي ساحة القلمون , وفي ريف دمشق الى حد أن النتائج الاخيرة للقتال في القلمون سببت إنهاكا حادا في صفوف قوات حزب الله اللبناني وأجبرته على الانكفاء نسبيا , وهناك مراجعة جدية من قيادته في ايران لمهمته القتالية في سوريا واتجاه لتقليص تورطه , لأن ما أصابه من خسائر بشرية وصل الى 25 % من مجموع جنوده المقاتلين وهو مستوى [كفيل بزعزعة أقوى جيش في العالم] بحسب تقدير الخبراء.

وما يجب التذكير به أيضا هنا هو أن الوضع العسكري الميداني في سوريا بين النظام وفصائل المعارضة يتسم بخاصية مهمة, فهو يشبه (المروحة) التي لا تكف عن الدوران السريع , وبالامكان تعديله وتغييره في أي وقت إذا تغيرت معادلات التسليح التي تتحكم بها قرارات الدول المعنية بالملف.

ثالثا - رؤية استنتاجية لوضع الثورة:

إن الثورة الشعبية التي بدأت في ربيع 2011 تمر بحالة جزر وتراجع على كل الأصعدة في العام الاخير, وخاصة الصعيد العسكري , ولا أدل على ذلك من تقلص نسبة ما يدعى ب(الأراضي المحررة) وهي عبارة غير دقيقة يقصد بها الاراضي التي زالت عنها سلطة النظام الامنية من دون أن تزول تبعيتها المؤسسية له حيث تراجعت من 65% من إجمالي أراضي الدولة في منتصف 2013 إلى ما دون35 % فقط . ولم يكن هذا التطور السلبي نتيجة تراجع روحية وإرادة الثورة نفسها في أوساط الحاضنة الشعبية الوطنية , بل نتيجة عوامل وظروف موضوعية مركبة ومعقدة عديدة سنأتي على ذكرها بعد أن نثبت حقائق ساطعة تتعرض دائما للتعتيم والاغفال وهي:

أولا - إن جذوة ثورة 2011 الشعبية الوطنية السلمية ما زالت حية ومتقدة في أعماق ما يجري وفي تفاصيله , رغم الاصرار المريب لوسائل الاعلام الغربية والخطاب السياسي الدولي على تجاهلها والالتفاف عليها إلى تصوير ما يجري باعتباره حربا طائفية وأهلية , أو مؤامرة خارجية رجعية.

ثانيا - إن إرادة النضال الشعبي الثوري السلمي لم تزل هي المفجر الرئيسي لطاقة المواجهة والتحدي بكل تجلياتها المتحولة , وهي المحرك الأول لزخم القتال.

ثالثا - إن السبب الوحيد الذي منح شعبنا القدرة على تحمل التضحيات الباهظة والتكلفة العالية للمواجهة مع النظام الإجرامي هو ثباته على مطالبه وتمسكه بأهدافه الأصلية دون تراجع , وفي طليعتها اجراء تغيير جذري للنظام الاستبدادي , وهي ما زالت على حالها في بنية الحالة العامة في سوريا , وفي كافة مراحل سيرورتها منذ آذار/ مارس 2011 الى اليوم.

ومع الاقرار الواقعي بتراجع أو حتى بغياب مشهد الحراك الشبابي والشعبي الذي رآه العالم طوال عام 2011 وأدى لتصدع حواجز الخوف وخروج غالبية الفئات والمكونات السورية العُمْرية والطبقية والقومية والسياسية الى الشوارع في تظاهرات سلمية احتجاجا على واقع الحياة المزرية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية طوال الشهور الاولى من الثورة وفي غالبية المدن والقرى من درعا جنوبا الى القامشلي في أقصى الشمال والشرق , فإنه لا بد من الاقرار بأن غياب هذا المشهد عن سطح الأحداث لا يعني بأي حال أن شعبنا السوري تخلى عن الثورة نفسها أو أن تصميمه على التغيير الجذري اضمحل , وإنما يعني أنه اضطر لحمل السلاح دفاعا عن نفسه في مواجهة (الحل الامني) الذي انتهجه النظام معتمدا على آلة البطش العسكرية والأمنية الجبارة التي أنشأها خلال نصف قرن وجهزها سلفا للتصدي لثورة الشعب التي أدرك أنها قادمة بلا ريب , وكانت - هذه الآلة القهرية - العامل الوحيد لديمومته في السلطة . وعليه لا بد من تحديد نتيجتين هامتين:

الأولى : إن النظام الفاشي كمؤسسة وكعائلة وكطغمة يتحمل وحيدا بطبيعة الحال المسؤولية كاملة عن دفع الثورة الى الخيار العنفي وحمل السلاح دفاعا عن النفس , ذلك لأنه الخيار الغريزي المعبر عن ارادة البقاء الطبيعية لدى جميع المخلوقات الحية بما فيها الحيوان غير العاقل . وهو كان رد الفعل التلقائي على قرار الاسد وأعوانه بقتل وتصفية المحتجين والمعارضين السلميين الذين هددوا سلطته المطلقة حتى ولو احتاجهم الامر ابادة الشعب بكامله . وقد نقل عن اللواء المجرم علي مملوك قوله للاسد دعني أقتل منهم مليون شخص لإيقاف الثورة , وسأذهب بعدها بنفسي الى محكمة الجنايات الدولية واسلمهم نفسي فداء لك!.

الثانية : الاستنتاج السابق ينطبق أيضا على حالة الانزلاق الى المجابهة الطائفية المذهبية خلال تطور الثورة , فهو الآخر حصل نتيجة لممارسات مخططة ومنهجية اختارها النظام عمدا لحرف مسيرة الثورة وتشويهها وتمزيق الوحدة الوطنية التي تصيبه بمقتل , وهي تمثل أصلا امتدادا واستطرادا منطقيا لاتجاه اصيل سبق أن تبناه منذ 1970 بلا رجعة , ولجأ اليه حافظ الاسد عندما تهدد عرشه عام 1980

ثم عاد اليه الاسد الابن بعد الثورة الشعبية 2011 حين تأكد من أن الغالبية الساحقة من الشعب باتت ترفضه, وأنها مصممة على التغييرالوطني الديمقراطي فارتد الى عصبيتة الما دون وطنية التي ميزت تكوينه الاجتماعي منذ نشوئه, واختار الاحتماء خلف عباءة طائفته العلوية , فعملت أجهزته الاستخبارية البارعة - والحق يقال ! - بكل جد وابداع لتفجير الأحقاد الطائفية وزرع المخاوف والشكوك بين الحاضنة العلوية والغالبية الوطنية السنية, كما عمل بجد على بناء شبكة تحالفات غير معلنة رسميا مع شرائح من الاقليات الأخرى ولا سيما المسيحيين والدروز , واستعان - أو بالاحرى استقوى - لبلوغ غاياته الخبيثة بأتباعه وحلفائه في لبنان وايران والعراق . ثم كرر اللعبة مع المكون الكوردي مستعينا ببعض الاطراف الكوردية العشائرية والحزبية المواليه له والتي سبق أن كونها بنفسه ليعزل الثورة عن حاضنها الوطني الشامل ويحد من مصادر قوتها المجتمعية , ويمزق وحدة الجماهير المنتفضة في كل انحاء البلاد.

لقد رأى العالم كله طوال العام الاول للثورة أن الحراك الثوري يستعصم بالهوية الوطنية ويستمسك بالبديل الديمقراطي ويرفع شعار(الشعب السوري واحد) ..إلا أن ألاعيب النظام بدعم من حلفائه الاقليميين نجحت في تشويه الحقيقتين الناصعتين وأفضت الى تفكيك الوحدة الوطنية واستطاعت اقحام الحركات الدينية السلفية التي سبق أن تحالف معها في مواجهة الغزو الامريكي للعراق وفتح لها أبواب البلاد منذ اواخر 2011 لتعيث فسادا بغرض إظهار الثورة الشعبية السلمية كما لو أنها حركة احتجاج مذهبية ذات طابع سني سلفي تخفي أهدافا طائفية وأصولية متطرفة , وتهدد بقية الاقليات التي يدعي حمايتها , ولم يكن الهدف منها هو التشويه والتضليل وحسب , وإنما كان وسيلة لإخفاء تكوينه المذهبي العصبوي الرجعي أولا.

ورغم كل ما سبق فإن هذه (النجاحات) التي أحرزها النظام عجزت حتى الساعة عن إخماد جذوة الثورة بدليل أن الغالبية الساحقة من السوريين تترجم يوميا رفضها للعودة إلى ( بيت الطاعة ) السابق تحت حكم النظام الجائر رغم قسوة الظروف التي ترتبت على خيارهم الثوري وما آلت له أوضاعهم المعيشية داخل البلاد أو خارجها من مآس وكوارث تراجيدية لا وجود لها إلا في الاساطير , ولم يظهر حتى اللحظة أي مكون معروف أو تكتل وطني استعداده للنكوص الى حالة ما قبل الثورة , لأن ذلك في نظر الشعب السوري خيانة وطنية كبرى , ويعد بمثابة انتحار ذاتي لأي فصيل سياسي وطني.

أما يقال عن نجاح النظام في اجراء مصالحات محلية مع ممثلي السكان في بعض مناطق ريف دمشق أو حمص فليست سوى بروباغندا تضليلية لا وزن لها في ميزان التطورات السياسية , فهذه (المصالحات) في تقييمها الموضوعي ليست سوى معالجات موضعية وتسويات مؤقتة لتيسير وتسيير بعض العقبات الاجرائية والمعيشية لكلا الطرفين , وخاصة للمواطنين الذين انهك قواهم الجوع جراء استعمال الخبز والماء سلاحا فتاكا لقتلهم ناهيك عن القصف الهمجي والاعتقالات العشوائية وتدمير المساكن وإحراق المزارع والنمشآت التجارية. عدا عن أن هذه (المصالحات) في كل الاحوال تفتقر للأي إطار أو مضمون سياسي.

الخلاصة الموضوعية تتمثل في أن روحية الثورة كامنة بقوة أكثر من أي وقت مضى وأن جذوتها متقدة في جذور وجوف الحالة السورية العامة التي تعم البلاد من أقصاها الى اقصاها . والحقيقة الأبرز في هذا الصدد هي أنه خلف القتال العسكري المسلح, وخلف العمل السياسي المعارض, وخلف الانشطة الضخمة التي تفجرت في كافة حقول العمل الاعلامي والفكري والاغاثي والاجتماعي ..إلخ هناك عامل مشترك واحد ووحيد يتجسد في إرادة التحدي للنظام والاصرار على تحقيق مطالب الثورة الأصلية وفاء لأرواح الشهداء وعذابات المعتقلين وتمسكا بحق الشعب في استعادة سلطته وحقوقه واعادة بناء الدولة على قواعد ومفاهيم عصرية تقدمية.

الثورة السورية مستمرة في كل ما يحدث وليس ثمة مؤشر ولو بسيط تدل على أن السوريين يظهرون أسفا أو ندما على ما شرعوا فيه عن وعي وبصيرة وبعد معاناة طويلة لا يطيقها أي شعب آخر. وبإمكان أي مراقب موضوعي أو محايد يعاين ويحلل الحالة الشعبية العامة ويستقصي تحولاتها وأمواجها أن يقتنع بأن الثورة ستستمر بنفس الزخم والدينامية إلى آخر رجل أو أمرأة أو طفل في الغالبية السورية التي تعرضت للتدمير المنهجي والاغتصاب والتهميش والنهب المنظم لا بعد ثورة 2011 بل منذ انقلاب 1963 وقد صبرت وكابدت وتحملت حتى لم يعد أمامها ثمة إمكانية للمزيد من الاصطبار والاحتمال.

رابعا - الأسباب الموضوعية لضعف الثورة:

في ضوء وعلى اساس التقييم السابق الذي توخينا فيه أقصى ما يمكننا من الموضوعية نستطيع الآن أن نتوصل الى تحديد أهم الاسباب الحقيقية التي انتجت الوضع المعقد المزري , وتسببت بالتراجع العام في حالة الثورة, وحالت دون تحقق النتيجة المنطقية لانتفاضة الشعب السوري برمته ونضاله الملحمي ,أي سقوط النظام الفاقد لابسط قواعد ومصادر الشرعية الوطنية والعالمية , واستمراره برغم ذلك الى اليوم في السلطة على هرم عال من الجماجم والأشلاء لزهاء نصف مليون شهيد, وأكثر منهم جرحى ومعاقين وربع مليون معتقل ومفقود, وعلى جبال من الخرائب تمتد في عشر محافظات, وعلى آلام عشرة ملايين نازح ومهجر توزعوا أشتاتا في مشارق الارض ومغاربها مذلين مهانين ينكل بهم القريب قبل الغريب , ولا يرحمهم البشر ولا توفرهم حيتان البحار .. فهي كما يلي:

أولا - وجود ما يشبه الاجماع الدولى والاقليمي غير المعلن على اعاقة انتصار الشعب السوري وتحقيق كامل مطالبه وإجراء تغيير بالعمق الذي يلبي طموحاته ومصالحه لأن من شأن ذلك كما يبدو الاخلال بترتيبات جيوبوليتكية اقليمية على درجة عالية من الأهمية للأطراف الدولية الرئيسية , روسيا وامريكا وأوروبا واسرائيل وايران ..إلخ , كان نظام الاسد ضالعا ومشاركا في تثبيتها حارسا لها.

ثانيا - وجود تصميم دولي على فرض تسويات تلبي مصالح ورغبات جميع الاطراف الدولية على حساب مصالح الشعب السوري ورغباته, وفي مقدمة هذه التسوية السعي لحل سياسي يزيح رأس النظام فقط ويجري بعض الاصلاحات على واجهات النظام كسقف أعلى وإبقاء بنياته الداخلية على حالها حماية لامتيازات الطائفة العلوية والاقليات الاخرى , والحفاظ أيضا معادلات وتحالفات النظام الاقليمية والدولية وخاصة ما يلبي مصالح اسرائيل.

ثالثا - هناك اتجاه بدأت تتكشف معالمه يوحي بالسعي لتفكيك الدولة السورية المعروفة واعادة تركيبها في صيغة مشابهة لصورة العراق الحالي بتركيبته الثلاثية الابعاد ذات المحاصصة الطائفية كما ركبها الاحتلال الامريكي في السنوات العشر السابقة . هذه التركيبة تفي بمطالب كل من اسرائيل وايران وتلبي مصلحة العدو الاول بإضعاف العدو الاستراتيجي الاول لها في المنطقة , وتلبي طموحات العدو الثاني في تكريس نفوذه وصلاته مع طوائف الشيعة في العراق وسوريا ولبنان وتضمن ولاءه للغرب ومسالمته لاسرائيل.

رابعا - استغلال الأماني القومية للكورد في سوريا وتعشيمهم بنموذج يشبه ما تحقق لهم في العراق بإسناد اميركي وغربي كامل خلال العقد الأخير.

خامسا - هذه الغايات تبرر وتفسر السياسة الغربية المتعمدة في اطالة أمد الصراع في سوريا , والافتقار للجدية في التعامل مع جرائم الاسد واعطائه كل ما يحتاجه من دعم لوجستي ومالي وبشري بغطاء دولي كامل , وعدم الاكتراث لمأساة التفريغ السكاني وخاصة من بعض المناطق التي يتوقع أن يضمها الكيان العلوي , وتفسر كما تبرر كيف ولماذا ظهرت الحركات المذهبية المتطرفة وطريقة تسليحها وتمويلها وانتشارها لكي تنفذ الاغراض والادوار التي تخدم هذه الغايات التآمرية التي تتضح معالمها بالتدريج , والتفاهم الأمريكي الروسي الايراني الاسرائيلي عليها.

سادسا - هناك اتجاه آخر أيضا لتعديل الجزء الجنوبي من سوريا ضمانا ابديا لامن اسرائيل يتراوح بين اقتطاع حوران أو جزء منها وضمه للاردن , أو خلق كيان درزي ليكون عازلا بين سوريا السنية ودولة الاحتلال اليهودي.

سابعا - إن سوريا التي ستخرج من جحيم هذه الحرب المستعرة على ارضها هي بالتأكيد ليست سوريا السابقة , وهي ستكون إما مقسمة بالكامل وإما صيغة وسطى ما بين التقسيم الكامل والتركيب الفيدرالي الهش القائم على محاصصة طائفية كالعراق ولبنان.

لهذه الاسباب والعوامل لم يكن مسموحا للثورة السورية وللشعب المكافح بناء أدواته الثورية التي تحقق له الانتصار وتحقق له مطالبه الوطنية المشروعة كافة وكاملة , وفي ضوء هذه الحقيقة لا ينبغي لنا أن نتساءل عن اسباب فشلنا كمعارضة وثوار سوريين في بناء مؤسسة أو منظمة سياسية قوية وفاعلة وكفؤة ومستقلة , ولا في بناء مؤسسة عسكرية ثورية بنفس الشروط والمواصفات , بل كان وما زال مطلوبا ومهما لتلك الدول التي فرضت الوصاية علينا تحت اسم ( الدول الصديقة) وتتصرف بكل شاردة وواردة في شؤوننا العسكرية والسياسية والمالية أن تبقى المؤسستان السياسية والعسكرية للثورة تحت الاشراف اليومي المباشر وتحت سلطة خفية يديرها القناصل والسفراء الغربيون , ومعهم بعض العرب المخلصون لنا لأن مصالحهم تتطابق مع مصالحهم لكن وزنهم النوعي في ميزان العلاقات الدولية لا يؤهلهم لفرض كلمتهم وقد رأينا عجزهم عن تقديم أي قطعة سلاح نوعية لنا طوال ثلاث سنوات واقتصر دورهم الثانوي على أن يكونوا شهودا اكثر منهم شركاء في القرار حالهم كحال دورهم في التحالف الدولي العسكري الذي يحارب داعش!.

لقد تم تنسيق الادوار بين أميركا وروسيا وبين أوروبا والدول العربية وبين ايران واسرائيل وبين حزب الله وداعش بطريقة هارمونية كان هدفها الوصول الى النهاية الوحيدة التي تلبي مصالح كل الاطراف باستثناء الشعب السوري , وتم تعطيل دور الامم المتحدة ومجلس الامن وبقية الوكالات الفرعية ودور الجامعة العربية لكي تبلغ السفينة الساحل الوحيد المسموح لها بالرسو فيه وفقا لمشيئة الدول الكبرى ووفق رياحها وبوصلة اتجاهاتها , بصورة تذكر تماما بما جرى في مثل هذه الفترة قبل مائة عام من الآن . إن التاريخ لا يكرر نفسه لكن لعبة الامم هي التي تتكررلتقرر مصائر الشعوب الضعيفة . ولذلك يمكن القول إن أعظم ثورات الربيع العربي واعظم ثورات العرب في الخمسين سنة الاخيرة قد تنتهي بطريقة تراجيدية ضحية لتكالب دولي جماعي يندر أن يتكرر ما لم تصر وتعمل قوى الثورة في مؤسساتها السياسية والعسكرية جادةً على انتزاع قرارها الوطني وتوحد صفوفها لتصبح رقماً حقيقياً يصعب على القوى الدولية والإقليمية تجاوزه، وبالتالي يتم أخذ مصالح الشعب السوري ومطالب ثورته بالحسبان.

تقرير( حالة الثورة ) الصادر عن

المؤتمر التشاوري المنعقد في عينتاب - تركيا

27 – 28 أيلول / سبتمبر 2014

المعلومات الأساسية

تاريخ الصدور

2014/09/28

البلد المستهدف

الأردنالسعوديةقطرإسرائيلروسياإيرانالولايات المتحدة الأميركية

المحافظة المستهدفة

كامل المحافظات

نوع الوثيقة

تقرير

العنوان الأصلي للوثيقة

تقرير( حالة الثورة ) الصادر عن المؤتمر التشاوري المنعقد في عينتاب - تركيا

التصنيف الفرعي

تقرير حقوقي

اللغة

العربية

كود الذاكرة السورية

SMI/A200/605918

الجهة المصدرة

وثائق أخرى للجهة المصدرة

بيان من التيار الشعبي الحر حول تصريحات حسن عبد العظيم بشأن مطلب تنحي بشار وبيان رد الإئتلاف عليه

نوع الوثيقة:

بيان

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2016/06/27

بيان من التيار الشعبي الحر "الثورة السورية في عامها السادس أكثر تصميماً على أهدافها"

نوع الوثيقة:

بيان

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2016/03/18

بيان استقالة خالد الناصر  من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية

نوع الوثيقة:

بيان استقالة /إقالة

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2017/11/26

بيان من التيار الشعبي الحر بعنوان "هنيئاً للسوريين انتصار حلب وكسر الحصار"

نوع الوثيقة:

بيان

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2016/08/06

بيان التيار الشعبي الحر حول مؤتمر رياض٢ والمساعي المحمومة لإعادة تأهيل نظام الأسد

نوع الوثيقة:

بيان سياسي

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2017/11/18

بيان صادر عن الأمانة العامة للتيار الشعبي الحر بشأن ما صدر عن مؤتمر الرياض٢ من بيان يرى أن رحيل الأسد مسألة تفاوض

نوع الوثيقة:

بيان سياسي

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2017/11/27

بيان من التيار الشعبي الحر حول ما يُسمى مؤتمر الرياض ٣

نوع الوثيقة:

بيان سياسي

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2019/12/27

بيان من التيار الشعبي الحر حول إصدار الائتلاف قراراً بتشكيل المفوضية العليا للانتخابات

نوع الوثيقة:

بيان سياسي

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2020/11/22

بيان التيار الشعبي الحر في الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية

نوع الوثيقة:

بيان

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2019/03/15

بيان حول الوضع السوري الراهن ومفاوضات أستانا وجنيف مع اقتراب العام السابع لانطلاقة الثورة السورية

نوع الوثيقة:

بيان سياسي

الجهة المصدرة:

التيار الشعبي الحر

تاريخ الصدور:

2017/02/20

كيانات متعلقة

شخصيات مرتبطة

لايوجد معلومات حالية

يوميات مرتبطة

لايوجد معلومات حالية

درجة الموثوقية:

الوثيقة

  • صحيحة
  • غير صحيحة
  • لم يتم التأكد من صحتها
  • غير محدد