كلمة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني في اجتماع مجلس الأمن الدولي 9904
**السيد الشيباني (الجمهورية العربية السورية):**
يشرفني أن أخاطب مجلس الأمن في هذا اليوم التاريخي، اليوم الذي رُفع فيه قبل خطابي هذا العلم الذي يمثل سورية الجديدة – سورية الحرية والكرامة – على سارية الأمم المتحدة، إلى جانب 192 دولة من شركائنا في المجتمع الدولي. أقدم تهانيّ الحارة لكل السوريين والسوريات على هذه اللحظة التاريخية. فهذا العلم ليس مجرد رمز، بل إعلان لوجود جديد ينبع من رحم المعاناة ويجسد مستقبلاً ينبثق من الصمود ووعداً بالتغيير بعد سنوات من الألم.
إن هذا اليوم لم يأتِ إلا بعد تضحيات جسام وبعد مسيرة من الدم والدموع. مئات الآلاف قُتلوا وغُيبوا وتبخرت آثارهم في سجون نظام الأسد. هذا اليوم لهم، كما هو لنا. لن ننساهم أبداً وسنبقى نعمل بلا كلل لتحقيق السلام والعدالة لهم ولذويهم وأحبائهم ولكل من حلم بيوم كهذا.
لعقود من الزمن اقترنت قصة سورية بقسوة نظام الأسد. فخلال حكمهم القمعي غرق البلد في الظلام وتعرض المواطنون للقتل والتعذيب والاختفاء الممنهج. استخدمت الأسلحة الكيميائية وتشرد الملايين وتكسرت أجيال تحت وطأة الألم والفقد. لم تتسبب أفعال النظام في مآسٍ إنسانية عميقة للشعب السوري فحسب، بل أتاحت لقوى مزعزعة للاستقرار أن تنبت في تراب وطننا. تحت حكم الأسد أصبحت أرضنا مرتعاً لإنتاج المخدرات وملاذاً للميليشيات الأجنبية والتنظيمات الإرهابية التي وجدت فيها موطئ قدم زاد من معاناتنا ومن معاناة المنطقة بأسرها. عمّقت تلك السياسات الانقسامات وأجبرت عائلات بأسرها على الهجرة، تاركين خلفهم منازلهم وأحلامهم التي تحولت إلى رماد في لهيب المعركة. ومع ذلك، أنا هنا اليوم لأمثل سورية الجديدة.
بعد سقوط نظام الأسد، وفي فترة قصيرة بشكل لافت لم تتجاوز أربعة أشهر ونصف، بدأت سورية أخيراً تلتقط أنفاسها بعد 14 عاماً من الحرب و54 عاماً من القمع. لقد فتحت سورية أبوابها للعالم. وصل الرؤساء ووزراء الخارجية والشخصيات الدولية إليها، ويستكشف السوريون الآن في كل بقعة من الشتات إمكانية العودة إلى الوطن على أمل المساهمة في إعادة بنائه. ولأول مرة منحت المنظمات الدولية الكبرى ومؤسسات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وصولاً ملموساً إلى أراضينا، وهو أمر رفضه النظام البائد مراراً وتكراراً في السابق.
لقد انتهت حقبة إراقة الدماء الممنهجة والاعتقالات التعسفية والاختفاءات القسرية والإفلات من العقاب. وأصبحت الطائرات تلقي الزهور بدلاً من البراميل المتفجرة، كما شاهدتم في عيد الثورة منذ أسابيع. وقد تم التصدي بشكل حاسم لتصدير المخدرات التي كانت تهدد منطقتنا، وذلك من خلال جهد جبار لأجهزتنا الأمنية التي تعمل كذلك على مكافحة تنظيم داعش الإرهابي ليلاً ونهاراً. ونحن على تنسيق واستعداد مستمر مع دول المنطقة والعالم لمواجهة هذه التهديدات.
وفي ملف الأسلحة الكيميائية – وهو نقطة سوداء في تاريخ نظام الأسد وفي عجز المجتمع الدولي – يظهر تعاوننا البنّاء مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في الميدان أن أفعالنا تتماشى مع كلماتنا. ونحن كذلك على تنسيق مستمر مع الدول ذات الشأن ونطلب دعماً مكثفاً في هذا الصدد.
في هذه الأشهر الأربعة الماضية، ومن خلال تعاون غير مسبوق بين السوريين، تحقق المستحيل. فقد حافظت حكومة تصريف الأعمال على مؤسسات الدولة ومنعتها من الانهيار. واليوم نجحنا في دمج الكفاءة والمهارة والتنوع السوري في حكومة انتقالية، وتلقينا ترحيباً بالإجماع في قرار مجلس حقوق الإنسان الصادر الشهر الماضي. وكذلك وحّدنا الفصائل العسكرية، وانتهت بذلك حقبة الفصائلية بانحلالها جميعاً دون استثناء، وبدأنا خطوات دستورية نحو إصلاح حقيقي. وأطلقنا حواراً وطنياً اجتمع فيه لأول مرة ما يقارب ألف سوري في القصر الرئاسي لمناقشة القضايا التي تؤثر في مستقبل سورية.
في أعقاب الأحداث المأساوية التي شهدها الساحل السوري في شهر آذار/مارس، حيث حاولت فلول النظام إشعال حرب أهلية من خلال ارتكاب مجازر مروعة بحق عدد كبير من عناصر الأمن والمدنيين، وما زلنا نتعرض لهذه الهجمات حتى يوم أمس بهدف إثارة ردود فعل طائفية، قمنا بإنشاء لجنة للسلم الأهلي ولجنة لتقصي الحقائق لمحاسبة المنتهكين والمتورطين، دعماً لتوصيات مجلسكم الموقر.
قمنا بإرسال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في قاعدة حميميم، ونحن مستعدون لمنح كافة الالتزامات لعودتهم إلى منازلهم قريباً. وقريباً سنعلن عن هيئة للعدالة الانتقالية وهيئة للمفقودين السوريين، ونحن كذلك على استعداد للتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية للبحث عن المفقودين الأمريكيين. وسنعلن عن خطوات جادة لتشكيل برلمان وطني يمثل الشعب السوري.
إن سورية اليوم لجميع السوريين، لمن كُتمت أصواتهم تحت حكم الأسد وأصبحوا اليوم يعبرون عن آرائهم بحرية. السوريون الذين هُجروا من منازلهم والذين يمكنهم اليوم أن يعودوا إليها. في هذه الأشهر الأربعة احتفل المسلمون في سورية بعيد الفطر، واحتفل المسيحيون بعيد الفصح في الكنائس بسلام، وعاد بعض اليهود السوريين إلى الوطن لأول مرة وتفقدوا معابدهم. ولأول مرة كان هناك زعيم كردي في دمشق بوساطة من الولايات المتحدة يمهد الطريق مع رئيس الجمهورية نحو سورية التي تحترم تنوعها العرقي والثقافي، وهو مبدأ نصصنا عليه صراحة في إعلاننا الدستوري الجديد.
نعم، سورية متنوعة ولكنها ليست مقسمة إلى أغلبية وأقليات، بل هي بلد لكل السوريين الأقوياء المتفائلين الذين يعملون معاً لبناء المستقبل الذي حُرمنا منه يوماً. وصار اليوم أمامنا ممكناً وقابلاً للتحقق.
مع ذلك، ونحن ندخل هذه الحقبة الجديدة فإن التحديات الكبيرة ما زالت تشكل تهديداً لنا ولكم. وقد أكدنا أن السوريين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات من دون النظر إلى خلفياتهم الدينية أو العرقية.
فبينما فتحت سورية أبوابها للدول ومنحت الأمل لشعبها في العودة، يستمر العبء الناجم عن العقوبات التي تهدد استقرارنا. فعندما تسعى المنظمات الدولية والشركات للاستثمار في اقتصادنا وإعادة بنائه تجد أن تلك العقوبات تقف حائلاً أمام ذلك. إن هذه الإجراءات التقييدية التي فُرضت على نظام سابق بائد تمنع رؤوس الأموال والخبرات من الدخول فيما تتيح للشبكات غير المشروعة أن تزدهر. في الواقع، يبدو أن الجهات التي تستفيد من العمل في الظل والخفاء، والتي ترتبط في كثير من الأحيان بتنظيمات متطرفة أو إرهابية، هي من يستفيد حقاً من استمرار هذه العقوبات.
كما أنها تعزز الروايات المتطرفة التي تناهض الانفتاح الدولي وترهب الاستثمار وتترك السوريين الراغبين في العودة غير قادرين على ذلك، وتجعل من بقي في سورية غير واثق من آفاق حياته في بلده. إن من يطالبون بالمزيد من سورية هم أنفسهم الذين يصرون على الإبقاء على العديد من العقوبات ضدها.
إن رفع العقوبات يمكن أن يكون خطوة حاسمة تساهم في تحويل سورية من بلد عرف بماضيه المظلم إلى شريك نشط وقوي في السلام والازدهار والاقتصاد الدولي. فاستقرار سورية لا يمسنا فقط كسوريين بل يمس استقرار المنطقة بأسرها.
وهنا يجب أن أشير إلى عامل آخر يزعزع هذا الاستقرار وهو قضية الضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية. فهذه الأعمال ليست فقط انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولسيادة سورية، بل هي كذلك تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي. إن العدوان المستمر يزعزع جهودنا في إعادة البناء ويقوض السلام والأمن الذين نسعى إلى تحقيقهما.
كما نطلب من مجلسكم الكريم ممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من سورية وتطبيق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. لقد أعلنّا مراراً عن التزامنا بأن سورية لن تشكل تهديداً لأي من دول المنطقة والعالم، بما فيها إسرائيل.
إنني أعرب عن خالص شكري للحكومات التي وقفت معنا على مر السنين وتلك التي اتخذت خطوات في الأشهر الأخيرة للوقوف إلى جانب الشعب السوري. وأقدر الدول التي بدأت في رفع العقوبات وأعادت فتح سفاراتها، وتلك التي تدرك ما هو على المحك في نجاح سورية أو فشلها.
دعونا نغتنم هذه اللحظة الفارقة. فلدى هذا المجلس ولدى المجتمع الدولي فرصة لدعم مستقبل سورية.
فالسوريون والسوريات مستعدون لإعادة صياغة مستقبل بلدهم، ولوضع نموذج جديد لكيف يكون التحول الناجح بعد الصراع في أي مكان في العالم. ونتمنى أن تكونوا شركاءنا في هذا الطريق.
المعلومات الأساسية
تاريخ الصدور
الجمعة 2025/04/25
اللغة
العربيةنوع الوثيقة
كلمة / إحاطةالتصنيف الفرعي
اجتماع
كود الذاكرة السورية
SMI/A200/990041
المجموعات
الإدارة السورية الجديدةيوميات مرتبطة
كيانات متعلقة
شخصيات مرتبطة
درجة الموثوقية:
الوثيقة
- صحيحة
- غير صحيحة
- لم يتم التأكد من صحتها
- غير محدد
