الذاكرة السورية هي ملك لكل السوريين. يستند عملنا إلى المعايير العلمية، وينبغي أن تكون المعلومات دقيقة وموثوقة، وألّا تكتسي أيّ صبغة أيديولوجية. أرسلوا إلينا تعليقاتكم لإثراء المحتوى.

كلمة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

فيما يلي **التفريغ النصي الحرفي** للنص الظاهر في الصور:

**السيد الشيباني (الجمهورية العربية السورية):** يشرفني أن أوجه حديثي لكم اليوم في أول اجتماع تعقده الجمعية حول سورية بعد سقوط نظام الأسد. حرصت أن أكون بينكم شخصياً لأعبر عن تقديري العميق لما قامت به الجمعية العامة من أجل سورية على امتداد السنين، في وقت منعت فيه الانقسامات مجلس الأمن من اتخاذ قرارات حاسمة حول سورية. فتحملت الجمعية تلك المسؤولية الجسيمة.

إن حرصكم اليوم هو ما ساهم في تأسيس آليات تابعة للأمم المتحدة غير مسبوقة، مثل الآلية الدولية المحايدة المستقلة التي أبقت سورية والسوريين حاضرين في الضمير العالمي، وكذلك أدنتم جرائم نظام الأسد، وحرصتم ألا يدير العالم ظهره لشعبنا. ولكن للأسف، اتسم دور الأمم المتحدة في سورية خلال السنوات الماضية بالتردد والعجز عن مواكبة حجم الكارثة الإنسانية والسياسية، ولم تستطع فرض قرارات ملزمة لحماية المدنيين، ولا دفع عملية سياسية جادة إلى الأمام. فاقتصر جهدها على إدارة الأزمات بدلاً من حل النزاع. كما أن التنافس بين الدول أضعف بعض مبادرات الأمم المتحدة، لا سيما في القطاع الإنساني، وأثر على حيادها وفعاليتها.

واليوم، في هذه الجلسة التي خصصناها لمنع النزاعات المسلحة، تقف سورية شاهدة حية على الكلفة المدمرة للحروب، ودليلاً ساطعاً على الحاجة الملحة للعمل الجماعي لمنع تكرار العنف الآن وغداً وإلى الأبد. إننا نرحب اليوم بتقرير الآلية الدولية المحايدة المستقلة، ونعدّه خطوة أساسية في مسار المساءلة والمحاسبة، والذي لا يمكن إلا من خلاله منع النزاعات مستقبلاً.

شكراً لك، سيد بوني، على إحاطتك الشاملة وعلى زيارتك الأخيرة إلى دمشق، حيث خضنا نقاشات جادة وبنّاءة ستتواصل حتى نبلغ أفضل سبل التعاون المشترك.

لقد علمتنا التجربة في سورية أن تجنب النزاعات المسلحة مستحيل من دون مساءلة، وأن المساءلة ليست محصورة في المحاكم والقضاء، بل هي جزء أساسي في إطار وطني للعدالة الانتقالية، يسعى إلى المصالحة وجبر الضرر وبذل جهود حقيقية لتضميد الجراح وتلبية المطالب الملحة والقانونية، حتى لا تتحول إلى مظالم قابلة للانزلاق مجدداً في مسار العنف الشائك والمرير.

ومع ذلك، ونظراً لتعقد وتشابك الجرائم في سورية على مدى أجيال طويلة فإننا نقر بأهمية المضي قدماً، ونؤكد على ضرورة أن تتم هذه العملية بتأنٍ ومشاركة جميع الأطراف، وخصوصاً الضحايا والناجين، لضمان أن تكون العملية بنّاءة ومستدامة، ولكي لا تفضي إلى نتائج عكسية.

وهنا نعتبر أن الآلية الدولية المحايدة المستقلة جزء أساسي ضمن منظومة أوسع للعدالة الانتقالية لا تقتصر على معالجة جرائم الماضي، بل تضع أيضاً حجر الأساس لبناء العدالة والاستقرار والمصالحة، ليعيش أبناؤنا وأحفادنا في مستقبل يعمره السلم والرخاء.

لقد كان طريقنا نحو هذه المرحلة الجديدة طويلاً ومؤلماً. لأكثر من 54 عاماً، تألمت سورية طويلاً تحت استبداد وقمع في حقبة طويلة كُممت فيها الأفواه، وقُتلت الأحلام، وخفتت الطموحات، وخلفت ندوباً غائرة في ذاكرتنا الجمعية، ومظالم عميقة لم يزدها مرور الوقت إلا اشتعالاً. إن المظالم التي تفجرت في صورة احتجاجات عارمة على مستوى البلاد عام 2011 لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتاج عقود من الظلم والقمع، بما في ذلك الفظائع التي ارتُكبت في ثمانينات القرن الماضي، والتي لم تُواجه ولم تتم معالجتها على الإطلاق.

إن الإخفاق في التصدي للجرائم السابقة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، أفسح المجال لبذور الصراع أن تترسخ وتنمو، مما أدى في نهاية المطاف إلى 14 عاماً من القمع الوحشي والحرب. ولذلك فإننا في الحكومة السورية الجديدة ملتزمون التزاماً كاملاً بالعدالة الانتقالية – لا لمحاسبة أخطاء وخطايا الماضي فحسب، بل لبناء منظومة حكم تمنع النزاعات المستقبلية قبل أن تبدأ. ولتحقيق هذا الهدف الكبير، سنؤسس قريباً هيئة للعدالة الانتقالية وهيئة خاصة للنظر في مصير مئات الآلاف من المفقودين، بالتنسيق الوثيق مع الآليات الدولية المنشأة من قبل هذه الجمعية لتناول هذه القضية الملحة.

بيد أن هناك دوافع آنية وبنيوية قادرة على دفع سورية مجدداً نحو دائرة الفوضى إن لم تُعالج على الفور. الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي ودمار سبل المعيشة تخلق جميعها ظروفاً مواتية لانتشار الأنشطة الإجرامية والتطرف وتجدد الصراعات المسلحة. وسأقولها بصيغة أبسط: عندما يفقد الناس بيوتهم ووظائفهم وأملهم في إعادة بناء حياتهم، تصبح الحرب مأساة شبه حتمية. ولذلك فإن منع النزاع لا يمر فقط عبر العدالة الانتقالية، بل أيضاً عبر التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. وفي هذا السياق، وللأسف، تُضعف العقوبات المتقادمة المفروضة في عهد الأسد قدرة البلد على منع النزاعات المستقبلية.

وهي عقوبات لا تستهدف قوى عدم الاستقرار، بل تعيق بدلاً من ذلك قدرتنا على بناء الأسس اللازمة لتحقيق سلام دائم. لقد فُرضت تلك العقوبات لإضعاف نظام الأسد، ولكن بعد زواله، أصبح استمرارها مجرد عائق أمام التعافي الاقتصادي لسورية وتعطيلاً لمهام الحكومة الجديدة.

وبدون القدرة على خلق فرص العمل ودعم إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية، تبقى سورية معرضة للخطر، معرضة لخطر الوقوع مجدداً في دوامة الصراع المسلح. صراع لن تكون دوافعه أيديولوجية أو سياسية، بل يأساً اقتصادياً خالصاً.

وإن أولئك الذين يصرون على فرض العقوبات حتى اليوم إنما يقاومون بأنفسهم مظالم الماضي. فاستمرارها يعيق قدرة الدولة على دفع الرواتب وتحويل الأموال وتمويل برامج العدالة الانتقالية، ويقيد عمل منظمات المجتمع المدني في إيجاد موطئ قدم لها في سورية أو تحويل الأموال لعملياتها داخل الأراضي السورية. كما يخنق النشاط التجاري المشروع ويفسح المجال أمام انتشار عصابات الجريمة وشبكات التجارة المحظورة والجماعات المتطرفة.

وإذا كان منع اندلاع النزاعات هو هدفنا المشترك، فعلينا فوراً إزالة العقوبات التي تعيق سورية من تحقيق الاستقرار. ولذلك، فإننا، باسم الشعب السوري، نناشد الجمعية العامة دعم مطلبنا برفع جميع العقوبات المفروضة أثناء عهد الأسد، فوراً ودون تأخير. فالإبقاء عليها لا يزيد إلا معاناة السوريين وتفاقم الأزمة الاقتصادية ومن ثم إعادة إنتاج العنف والنزاع.

وتقف سورية اليوم على مفترق طرق. لقد قطعنا خطوات حاسمة نحو الاستقرار. فأفرجنا عن المعتقلين السياسيين الذين عانوا في سجون نظام الأسد، وحافظنا على مؤسسات الدولة من الانهيار، وأطلقنا حوارات وطنية، وفتحنا أبواب بلادنا بشكل غير مسبوق أمام آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مثل الآلية الدولية المحايدة المستقلة، ولجنة تقصي الحقائق. وقد تعاونّا مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لمعالجة أي مخلفات لبرامج النظام البائد الكيميائي.

وشكلنا حكومة جامعة وشاملة، ووحّدنا الفصائل المسلحة تحت راية جيش وطني موحد، وأبرمنا اتفاقات تاريخية مع القادة الأكراد لتجنب أي نزاع مستقبلي. وحين أشعلت فلول نظام الأسد الطائفي العنف في الساحل، تصرفنا بسرعة وشكّلنا لجان سلم أهلي وفرق تحقيق. وقد نال كل ذلك ثم اعتراف مجلس حقوق الإنسان في قرار صادر بالإجماع الشهر الماضي.

إننا نفعل ما بوسعنا لمنع النزاع، ولكن من دون دعم اقتصادي وسياسي حقيقي لمنع تصاعد التوترات الجديدة، تبقى جهودنا مهددة بالانهيار بسبب عوامل خارجة عن سيطرتنا.

وثمة تهديد آخر لاستقرار سورية يتمثل في استمرار العدوان والهجمات التي تنتهك سيادتنا. لقد أوضحنا جلياً أن سورية الجديدة لن تكون مصدراً لعدم الاستقرار في أي طرف في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل. إلا أن الاعتداءات العسكرية المتكررة على الأراضي السورية تشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي وتدخل في جهودنا لتحقيق الاستقرار في بلدنا، كما أنها تغذي مظالم جديدة قد تتفاقم لتفضي إلى نزاعات أوسع.

إن هذه الاعتداءات، بما فيها الغارات الجوية والتوغلات الحدودية، تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتهدد الاستقرار ليس في سورية فقط بل في المنطقة بأسرها. ولذلك، فإننا نحث الجمعية العامة على التصدي لهذا التهديد قبل أن يفضي إلى زعزعة أكبر للاستقرار على المدى الطويل.

وفي الختام، أريد أن أذكر الأعضاء بأن من وقف مع سورية في أحلك أوقاتها حين كان المستقبل قاتماً كنتم أنتم كممثلين للمجتمع الدولي، من وقف إلى جانب الحق والعدالة. واليوم، ونحن نخطو نحو فصل جديد، نطلب منكم مواصلة السير معنا قدماً ليس فقط نحو العدالة بل في سعينا الدائم لتحقيق السلام ومنع الصراع، وعبر رفع العقوبات الأحادية التي أصبحت من مخلفات الماضي.

إن سورية لا يجب أن ترسم مستقبلها بمآسي الماضي، بل بالمصالحة والاستقرار، والالتزام الراسخ بعدم عودة النزاع المسلح إلى أرضنا أو إلى أي أرض أخرى. ولا يمكننا خوض هذه المرحلة وحدنا. فمنع النزاع يتطلب دعماً دولياً وتعاوناً شاملاً وإيماناً مشتركاً بأن سورية المستقرة تخدم مصالح الجميع. فلنعمل معاً لنكتب الفصل القادم لسورية، فصلاً من السلام والازدهار والاستقرار، فصلاً لا عودة فيه إلى الحرب. ولنصنع معاً مستقبلاً تُعالج فيه ندوب الأمس ويُلقى فيه عن كاهلنا إرث العقوبات ونلحق معاً بركب التعافي.

المعلومات الأساسية

تاريخ الصدور

الثلاثاء 2025/04/29

اللغة

العربية

نوع الوثيقة

كلمة / إحاطة

التصنيف الفرعي

اجتماع

كود الذاكرة السورية

SMI/A200/990045

يوميات مرتبطة

كيانات متعلقة

شخصيات مرتبطة

درجة الموثوقية:

الوثيقة

  • صحيحة
  • غير صحيحة
  • لم يتم التأكد من صحتها
  • غير محدد