الذاكرة السورية هي ملك لكل السوريين. يستند عملنا إلى المعايير العلمية، وينبغي أن تكون المعلومات دقيقة وموثوقة، وألّا تكتسي أيّ صبغة أيديولوجية. أرسلوا إلينا تعليقاتكم لإثراء المحتوى.

كلمة وزير الخارجية والمغتربين السوري في اجتماع مجلس الأمن الدولي 9907

**السيد الشيباني (الجمهورية العربية السورية):** إن سورية ليست جزيرة معزولة عن محيطها، بل هي جزء لا يتجزأ من نسيج هذه المنطقة. فأمننا واستقرارنا لا يمكن فصلهما عن أمن واستقرار وازدهار جيراننا. إن العنف والاضطراب في أي بلد لا يبقى حبيس حدوده، بل يتجاوزها ليزرع عدم الاستقرار، وينتج موجات من النزوح والتطرف في كل مكان، ونحن نرفض أي قوة أو سياسة تهدد السلام، أو تعرض حياة الناس وسبل عيشهم للخطر في منطقتنا.

ومنذ يوم تحررنا، في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، أثبت الشعب السوري ما يمكن أن تحققه الإرادة الوطنية والوحدة الشعبية حين تُغلق أبواب العدالة الدولية. لقد واجهنا، على مدى أربعة عشر عاماً، آلة قتل منهجية، وتعذيباً ممنهجاً وقمعاً استمر أكثر من نصف قرن، وعندما عجز هذا المجلس عن التحرك، وتكررت عليه حالات النقض التي حالت دون إيصال المساعدات المنقذة للحياة، قرر السوريون أن يقرروا مصيرهم بأيديهم. فشكلنا حكومة انتقالية تضم خيرة الكفاءات الوطنية، وممثلين عن مختلف أطياف المجتمع السوري، وقد حازت هذه الحكومة، مؤخراً وبالإجماع، على تأييد من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

لقد نجحنا في توحيد الفصائل العسكرية، رغم التحديات الجسيمة، تحت إطار دستوري مشترك، وبرنامج إصلاحي حقيقي. وفي أول حوار وطني شامل، اجتمع ما يقارب ألف سوري في القصر الرئاسي، ليناقشوا أبرز القضايا التي تمس مستقبل البلاد.

ونحن على وشك إطلاق هيئة للعدالة الانتقالية، وهيئة مستقلة معنية بمصير المفقودين، إلى جانب شراكتنا مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لتحديد وتدمير ما تبقى من ترسانة النظام السابق. كما نتعاون مع الآلية الدولية المحايدة المستقلة لمساعدة التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة وفق تصنيف القانون الدولي المرتكبة في الجمهورية العربية السورية منذ آذار/مارس 2011، وسواها من الهيئات المعنية بالعدالة، لتوثيق الجرائم، وبحث أفضل السبل الممكنة لتحقيق العدالة والمساءلة، ومنع تكرار الانتهاكات.

لقد كانت هذه الخطوات، قبل نصف عام فقط، تُعد ضرباً من ضروب المستحيل، إلا أنها اليوم واقع ملموس. ومع ذلك، فإن عملنا الوطني هذا يتعرض لتهديد حقيقي يتمثل في الاعتداءات الجوية الإسرائيلية المتكررة، التي تنتهك أجواءنا وسيادتنا. إن الذرائع التي كانت تُستخدم لتبرير تلك الضربات، من وجود جماعات مسلحة مدعومة من الخارج، لم تعد قائمة. فهذه الضربات لا تعد خرقاً فاضحاً لقرارات مجلس الأمن، وخاصة القرارين 242 (1967) و497 (1981) فحسب، بل تدمر بنيتنا التحتية المدنية، وتفتح المجال مجدداً للفوضى، ولعودة الميليشيات التي ناضل السوريون أربعة عشر عاماً لمواجهتها.

ولقد سقطت كل السردية المضللة التي صدرت عن الجانب الإسرائيلي. فاليوم، يشعر الشعب السوري بالقلق والتهديد من الجانب الإسرائيلي نتيجة الضربات المستمرة والقصف العشوائي والتوغل الجائر. وكل ذلك يدفع الناس إلى النزوح والهجرة من القرى والبلدات المحاذية للحدود في الجنوب السوري. وقد سقط عدد من الشهداء والجرحى نتيجة لهذا العدوان.

إن النهج التوسعي والمبالغة في المخاطر وعدم احترام أمن الجوار وسيادته سيؤدي بكل المنطقة إلى مزيد من العنف والصراع وعدم الاستقرار. إن ممارسات إسرائيل تجاه سورية هي التي تشجع وتوفر البيئة المناسبة للجماعات المرتبطة بإيران لزعزعة الاستقرار في سورية. إن عدم اتخاذ قرارات حاسمة لنشر قوات فصل القوات في المنطقة العازلة سيقوض تلك المساعي الدولية ويضعف إمكاناتها ويجعلها تفقد الثقة أكثر. لقد اجتمعنا لعدة مرات مع قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك والذين يشعرون باليأس والإحباط والعجز نتيجة لتعطيل الجانب الإسرائيلي لمهامهم المبرمة من مجلسكم هذا.

إن المسيحيين والأكراد والعلويين والدروز والعرب متفقون بشكل كامل على عدم القبول بالتدخل الأجنبي في بلادهم، ويرفضون الممارسات الإسرائيلية، ولا يقبلون أن يتم استخدامهم في اللغة الإعلامية لإسرائيل التي تسعى لتقسيم سورية وتركها هشة وملأى بالفوضى وعدم الاستقرار. وحتى اليهود السوريين الذين التقينا بهم مراراً وتكراراً يرفضون هذه المخططات وهذه السياسات.

إذا استطعنا أن نقدم أجوبة مقنعة وصادقة حول هذه الأسئلة فسنتمكن من فهم من يزعزع الاستقرار في سورية ومن يبني السلام. من الذي أراح نظام الأسد والميليشيات المرتبطة به، من يخترق الأجواء ويقصف المواقع ويتوغل في أرضنا، من يعترف بالتنوع السوري ويشمله في الحكومة ومن يستخدمهم في خطاباته لتعزيز التقسيم الطائفي، من يسهل مهام قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك ومن يعطلها ويمنعها، من يسهل مهام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لفحص المواقع المحتملة للأسلحة الكيميائية ومن يقصفها.

ونذكر هذا المجلس بأن مرتفعات الجولان لا تزال، بعد قرابة خمسين عاماً على ضمها غير الشرعي، تحت الاحتلال، في تحدٍّ صارخ لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. ونطالب مجدداً بتنفيذ القرار 497 (1981) بالكامل، وندعو إلى تمكين قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك من استعادة خطوط ما قبل الرابع من حزيران/يونيو 1967.

نقف اليوم إلى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق في غزة الذي لا يزال يتحمل عبء حرب ضروس تتوالى فيها الضربات الجوية ويُفرض عليه حصار خانق وتجويع متعمد واستهداف للمسعفين والصحفيين وهدم للبيوت وانتهاك متكرر للهدن الهشة. إن هذه الانتهاكات لا تسبب مأساة إنسانية فقط، بل تغذي أيضاً دوامة عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها. ومن هذا المنبر نطالب بوقف فوري لإطلاق النار لحماية المدنيين وضمان دخول المساعدات الإنسانية بلا عوائق.

وفي داخل حدودنا، عملنا بجد على تفكيك شبكات الكبتاغون التي كانت تهدد المجتمعات في دول الجوار، وبدأنا في إعادة إعمار شبكات الطرق والموانئ وسكك الحديد لتمكين التجارة والتكامل الإقليمي. وهدفنا واضح يتمثل في تحويل المناطق المنكوبة بالحرب إلى ممرات اقتصادية تفيد كل دول المنطقة.

أما عودة اللاجئين فهي محور أساسي في جهود التعافي. فسورية، قبل كل شيء، تنهض بأبنائها، ولكن السوريين لن يعودوا إلى ركام أو إلى بيئة تخنقها العقوبات. إن القيود المفروضة على سورية، والتي فرضت في الأصل رداً على عنف النظام السابق، أصبحت اليوم تعاقب ضحاياه وتحول دون حصولهم على التمويل والخدمات الضرورية لإعادة الإعمار. لذلك، فإننا ندعو هذا المجلس والمجتمع الدولي بأسره إلى رفع هذه العقوبات وتمكين السوريين في الخارج من العودة طوعاً وكرامة وأمان.

إن الأمن الحقيقي لا يُبنى وراء الجدران ولا يمكن حمايته داخل حدود مغلقة. فأمننا لا ينفصل عن أمن جيراننا، ولا يمكن لأي دولة أن تضمن سلامة شعبها وهي تهدد سيادة الآخرين. إن أمام هذا المجلس مسؤولية تاريخية وفرصة حقيقية لدعم تعافي سورية واستقرار المنطقة برمتها. نطالبكم بدعم الآليات التي تحقق العدالة لجميع الضحايا، ونناشدكم وضع رؤية مشتركة واضحة ومنسقة لإعادة الإعمار وفتح سبل التجارة وضمان عودة آمنة وكريمة للاجئين.

دعونا نستبدل حق النقض بالبصيرة، والغارات بالحوار، والعقوبات بالتضامن والدعم المشترك؛ حينئذ فقط يمكن لكل مواطن في دمشق ورام الله والقنيطرة وغزة أن يحيا بأمان وكرامة وأمل.


كلمة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني في جلسة مجلس الأمن بتاريخ 29 نيسان/ أبريل 2025

المعلومات الأساسية

تاريخ الصدور

الأربعاء 2025/04/30

اللغة

العربية

نوع الوثيقة

كلمة / إحاطة

التصنيف الفرعي

اجتماع

نوع المصدر

مصدر أصلي

كود الذاكرة السورية

SMI/A200/990047

يوميات مرتبطة

كيانات متعلقة

شخصيات مرتبطة

لايوجد معلومات حالية

درجة الموثوقية:

الوثيقة

  • صحيحة
  • غير صحيحة
  • لم يتم التأكد من صحتها
  • غير محدد