المجلس الإسلامي السوري: فتوى مجلس الإفتاء حول قوانين التهجير والتغيير السكاني
المجلس الإسلامي السوري
مجلس الإفتاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رقم الفتوى: 14 تاريخ الفتوى: الثلاثاء 15 شعبان 1439هـ الموافق 1أيار / مايو 2018م
فتوى حول قوانين التهجير والتغيير السكاني
السؤال: أصدر النظام عدة قوانين لما زعم أنه إعادة تنظيم إعمار المناطق المهدَّمة بسبب الحرب بعد تهجير أهلها منها، وكان آخرها ما عرف بالقانون رقم 10، فما الموقف الشرعي من هذه القوانين؟ وما أحكام التعامل مع هذه العقارات؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فمنذ أكثر من نصف قرن والنظام يصدر القوانين والمراسيم التي تثبّت أركان حكمه وترسخ تصرفاته على الأرض، وكان آخرها المرسوم رقم 10 لعام 2018م، والذي يجيز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية. وبعد الرجوع إلى المختصين القانونيين من قضاة ومحامين وسياسيين تأكّد لدى المجلس أنَّ هذه القوانين هدفها إكمال ما بدأته الآلة العسكرية، من إحداث التغيير السكاني في المناطق السّنية، وشرعنة جرائم التهجير القسري وتثبيت آثارها، وفتح المجال لتملّك هذه المناطق من المتحالفين مع الشعب السوري عبر تدعيم مواقعهم حول المناطق السنية بأحزمة طائفية وشيعية مجلوبة من إيران والعراق وغيرها تُكمل ما بدأه أعداء الشعب من الضباط والشبيحة في استيلائهم على آلاف العقارات والأوقاف خلال العقود الماضية بمختلف الأساليب، وإن هذه القوانين تتيح الفرصة لكلّ مدّعٍ ليسلب أموال المهجَّرين واللاجئين بأدوات قانونية، ورسالة إلى المهجَّرين بأنَّ أملاكهم العقارية ستؤول إلى المالكين الجدد الذين ساندوا النظام، وتقديمها لهم على ما قدموه للنظام في معركته ضدّ الشعب.
وبناء عليه فإنَّ مجلس الإفتاء يقرر ما يلي:
أولاً: اتفقت الشرائع السماوية والقوانين الأرضية والعهود والمواثيق الدولية على اعتبار الملكية الفردية واحترامها، وعدم جواز المساس بها، أو الاعتداء عليها، فأملاك المعصومين من المسلمين وغيرهم وعقاراتهم التي يقيمون بها، أو التي هُجِّروا منها ثابتة لهم شرعاً، لا يجوز نزعها منهم ولا مصادرتها، وبهذا جاءت جميع الشرائع والقوانين، ولا يلزمهم إثبات ملكيتهم لها بوثائق أو أوراق معينة يمكن أن تكون قد فُقدت في ظروف استثنائية خلال المعارك أو التهجير، ما دامت ثابتةً لهم بالسكن، أو شهادة الشهود، أو غير ذلك من الطرق المتعارف عليها، وهذه الأحكام ثابتةٌ مهما طال الزمن وتغيرت الأحوال، لا تسقط بمرور الوقت ولا تقادم الأزمان، ولا تغير القوانين والأنظمة والحكومات، وما يحدث من ضياع أو فَقدٍ لبعض المستندات بسبب الحرب لا يترتب عليه زوالُ الملكية، ولا يجوز نزع العقارات والأملاك ولا مصادرتها فضلاً عن سنّ قوانين تجرد مالكها منها، وكذلك لا يجوز وضع اشتراطات تعجيزية للملّاك والمهجَّرين لتثبيت ملكيتهم لعقاراتهم، مع عدم اعتبار الظروف الطارئة التي تُراعى في جميع القوانين والأعراف.
فإصدار هذه القوانين وما في معناها يعتبر جريمة وانتهاكاً لحقوق الإنسان في التملّك والحفاظ على أملاكه التي اتفقت عليها الشرائع والقوانين، ولمّا طرد المسلمون جيوش التتار من بلاد الشام في عصر السلطان الظاهر بيبرس زعم وكيلُ بيت المال أنّ كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحَوطة عليها -أي بحجزها- حتى يُثبت مَن يضع يدَه عليها أنّ هذه الأملاك له، فلجأ الناسُ إلى الإمام النووي، فكتب إلى السلطان كتاباً جاء فيه: (وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثباتٌ لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحلّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَن في يده شيء فهو ملكُه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يُكلَّفُ إثباته) ذكره الحافظ السخاوي في ترجمة الإمام النووي المسماة «المنهل العذب الروي».
ثانياً: ما يؤخذ من عقارات المعصومين وأملاكهم، وما يُنزع منهم بأمثال هذه القوانين فهي أملاكٌ مغصوبة، وأموالٌ مَنهوبة، والغصبُ من أعظم أنواع أكل المال بالباطل، وأشدُّها جرماً، وقد قرر الفقهاءُ أنّ المال المغصوب واجبُ الردّ إلى صاحبه مهما طال الوقت، وأنّ كلَّ ما يُجريه المغتصب على العقار المغصوب من تغييرات وإضافات فإنّه لا يُسقط حقَّ مالكه فيه، وعليه فجميع أحكام الغصب التي ذكرها الفقهاء جاريةٌ على هذه العقارات المنتزعة بهذه القوانين.
ثالثاً: لا يجوز لأحدٍ من المسلمين أن يسكن أو يشتري أو يبيع هذه العقارات، أو يساعد في تملّكها، أو الترويج لذلك بأي طريقة كانت: لأنّ ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، كما أنّ فيه إعانةً للمجرمين على طمس معالم الحق، وعلى قهر الناس وظلمهم، وتجريدهم من حقوقهم، بل قرّر الفقهاء أنّ المسلم يأثم بأداء العبادة وسائر التصرفات في هذه الأراضي المغصوبة: لعِظَم حقوق العباد، وجُرم أكل أموالهم بالباطل.
رابعاً: يجب على الجميع الوقوف صفاً واحداً ضدّ هذا القانون الظالم، كلٌّ حسب استطاعته:
١- فعلى الجهات القانونية والسياسية القيام بما يلزم قانونياً لفضح هذه القوانين، وتوثيق آثارها ونتائجها على الأرض، ومخاطبة مَن يلزم لاعتبار هذه المراسيم وغيرها باطلة.
٢- على الإعلاميين والناشطين نشر الوعي بآثار هذه المراسيم والقوانين، وتاريخ النظام المجرم فيها من عقود.
٣- مَن استطاع من سكان تلك المناطق أو من غيرهم من الناشطين أن يوثّق الأملاك، ويقوم بحفظ السجلات العقارية بأيّ طريقة ممكنة فليفعل ذلك، بل هو من الواجبات التي يتوقف على إهمالها ضياع الحقوق.
٤- على طلبة العلم والمشايخ الذين يقيمون في المناطق التي تطبَّق فيها هذه القوانين أن لا يعملوا بموجبها قدر المستطاع، وبحسب ما تسمح لهم ظروفهم والموقع الذي هم فيه.
٥- كما نحذِّر المنتمين للعلم والفكر والإعلام وغيرهم من تأييد مثل هذه الخطوات والقوانين المتضمّنة للظلم والبغي على الناس، ومن دعم كل ما يخل بحقوق الناس، ويجردهم منها؛ فإنهم مسؤولون عن ذلك ومحاسبون عليه يوم لا ينفعهم مال ولا جاه ولا سلطان، قال ﷺ: «مَن أعان ظالماً بباطل ليدحض به حقاً فقد برئ من ذمّة الله عز وجل وذمّة رسوله» أخرجه الطبراني والحاكم وصححه.
وَأخيراً: نتوجَّه إلى إخواننا المهجَّرين من أراضيهم وبيوتهم، والذين صودرت أملاكهم وأموالهم مذكِّرين لهم أنَّ ما أصابهم إنما هو من أنواع البلاء الذي يصيب المسلم ويُبتلى به، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۞ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۞ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ – ١٥٧].
ولنا في رسول الله ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم أسوة حسنة: فقد عُذِّبوا وأوذوا في سبيل الله، وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، فصبروا على ذلك واحتسبوه عند الله تعالى، فعوضهم الله خيراً مما فاتهم من خيري الدنيا والآخرة، وكانت عاقبة أمرهم نصراً وفتحاً: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ۞ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ۞ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٥ – ١٩٧].
إنَّ التمسك بما خرجنا لأجله من المطالبة بالحقوق ورفع الظلم، والإصرار عليه، والعمل لأجله بكلِّ وسيلة مشروعة، والتبشير به بين الناس هو الواجب الذي لا ينبغي الحيدة عنه، وهو أفضل ردٍّ شعبي على هذه القرارات الظالمة، حتى يحكم الله بين الشعب وبين مَن يمنعه حقوقه، ويسعى في نزعها بكلِّ سبيل، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
وقد وقع على الفتوى من أعضاء المجلس السادة العلماء
١- الشيخ أحمد حمادين الأحمد ٨- الشيخ عبد المجيد البيانوني ١٥- الشيخ محمد زكريا مسعود ٢- الشيخ أحمد حوى ٩- الشيخ علي نايف شحود ١٦- الشيخ محمد معاذ الخن ٣- الشيخ أسامة الرفاعي ١٠- الشيخ عماد الدين خيتي ١٧- الشيخ ممدوح جنيد ٤- الشيخ أيمن هاروش ١١- الشيخ عمار العيسى ١٨- الشيخ موسى الإبراهيم ٥- الشيخ عبد الرحمن بكور ١٢- الشيخ فايز الصلاح ١٩- الشيخ موفق العمر ٦- الشيخ عبد العزيز الخطيب ١٣- الشيخ محمد جميل مصطفى ٧- الشيخ عبد العليم عبد الله ١٤- الشيخ محمد الزحيلي.
المعلومات الأساسية
تاريخ الصدور
الثلاثاء 2018/05/01
اللغة
العربيةنوع الوثيقة
فتوىالبلد المستهدف
إيرانالعراقنوع المصدر
مصدر أصلي
كود الذاكرة السورية
SMI/A200/993284
العنوان الأصلي للوثيقة
#فتوى #مجلس-الإفتاء حول قوانين التهجير والتغيير السكاني للاطلاع:
مصدر الوثيقة
المجلس الإسلامي السوري
وثائق أخرى للجهة المصدرة
A declaration on the massacres perpetrated by Russia and the Syrian regime in Aleppo
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2016/09/26
Esed Rejimi ve Rusya'nın Halep'teki Katliamları Hakkında Açıklama
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2016/09/26
Türklerle Suriyeliler Arasındaki Kardeşlik İlişkisi Hakkında Açıklama
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2019/08/03
Türklerle Suriyeliler Arasındaki Kardeşlik İlişkisi Hakkında Açıklama
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2019/08/03
المجلس الإسلامي السوري: بيان تعزية بضحايا الزلزال المروع في تركيا الشقيقة - باللغتين العربية والتركية
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2020/01/25
idlib'de Cabal Al-Zaviya'daki Türk konvoyuna yönelik hain saldırı ile ilgili açıklama
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2020/02/29
Suriyeli ve Türk işadamlarına çağrı
نوع الوثيقة:
دعوة
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2020/04/18
Ayasofya'nın daha önce olduğu gibi aslına cami'ye dönüşü hakkındaki basın açıklaması
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2020/07/13
المجلس الإسلامي السوري: رسالة تعزية بضحايا زلزال إزمير - GeçmişOlsun İzmir
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2020/10/31
Sınır kapılarından Suriye'nin kuzeyine yapılan yardımların durdurulmasına karşı açıklama
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
المجلس الإسلامي السوري
تاريخ الصدور:
2021/06/25
شخصيات مرتبطة
كيانات متعلقة
لايوجد معلومات حالية
يوميات مرتبطة
لايوجد معلومات حالية