قراءة في نصّ البيان الختامي الصّادر عن اجتماع أستانة
قراءة في نصّ البيان الختامي الصّادر عن اجتماع أستانة
أكثر ما نحتاج إليه في هذه المرحلة الدّقيقة، الّتي تمرّ بها الأزمة السوريّة، بعد ستّ سنواتٍ من المعاناة الإنسانيّة القاسية والخسائر البشريّة والمادّيّة الهائلة، الّتي تكبّدها شعبنا وبلدنا، هو وقف نزيف الدّم السّوري ووقف تدمير البنى التحتيّة للدولة،الّتي هي ملك للشعب السوريّ وحده،دون غيره، الأمر الّذي يستلزم بالضرورة، البحث عن أفضل السبل الكفيلة بحلّ الأزمة السوريّة سياسيّاً،وهو ما يتطلّب تحقيق هدفيْن في آن :
الأوّل، هو وقف إطلاق نارٍ شامل على امتداد الأراضي السوريّة، تلتزم به كافة الأطراف السوريّة : الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرّديفة من جهة، والجماعات السوريّة المسلّحة، الموقّعة على اتفاقيّة وقف إطلاق النّار الشامل في سوريّا،من جهةٍ أخرى،كي تتوحّد معاً في جبهةٍ واحدة، في محاربة الإرهاب، خاصّةً تنظيميْ " داعش " و " النّصرة " ومن يلوذ بهما من التنظيمات الإرهابيّة الأخرى، وصولاً إلى اجتثاث الإرهاب تماماً من على الأرض السوريّة والقضاء عليه .
الثاني، مباشرة حلٍّ سياسيّ يفضي إلى بناء سوريّا دولةً ديمقراطيّة علمانيّة تعدّديّة سياسيّاً، دولة مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات، بصرف النّظر عن الدّين والعرق والجنس والطائفة والمذهب والعشيرة، تتمتّع فيها إضافةً لذلك، الجماعات والأقلّيّات القوميّة بحقوقها الثقافيّة واللّغويّة وينتفي في ظلّها مختلف أشكال التمييز. عندئذٍ فقط، لابدّ أنْ يشعر كلّ مواطنٍ على الأرض السوريّة بأنّ هذه الدولة هي دولته حقّاً وفعلاً .
. . .
بعد هذه المقدّمة الضروريّة، لابدّ أنْ نشيد بالجهود الكبيرة المتواصلة، الثابتة والدّائمة، الّتي بذلها الأصدقاء الرّوس والإيرانيّون طيلة السنوات الستّ الماضية من عمر الأزمة السوريّة، لإيجاد حلٍّ سياسيٍّ لها. وقد أسفرتْ هذه المساعي الحميدة في نهاية المطاف، عن صدور بيان اجتماع أستانة الختامي، الّذي تضمّن نقاطاً مفصليّةً هامّة، تمثّل علامةً فارقة، غايةً في الأهميّة، في مسار حلّ الأزمة السوريّة، وهو البيان الّذي وقّعتْ عليه الأطراف الثلاثة : روسيا، تركيا وإيران . قراءتنا المتمعّنة للبيان الختامي ترى :
1- كلّ النّقاط الواردة فيه،كانت قد وردتْ أصلاً في الاتفاقيّات، الموقّعة من جانب كلٍّ من روسيا الاتحاديّة والولايات المتحدة الأمريكيّة، الّتي تنصّلتْ إدارة أوباما المنصرفة من الالتزام بها ومن تنفيذها، لأنّها كانت حريصةً على الاستثمار في الإرهاب أطول فترةٍ ممكنة، لإضعاف الجيش العربي السوري وتدمير البنى التحتيّة للدولة السوريّة وخلق وقائع على الأرض لتفتيت سوريا، خدمةً للمصالح الاستراتيجيّة الأمريكيّة ولمصالح " إسرائيل " في آن .
2- سبق أنْ تحدّثْنا أكثر من مرّة في تحليلاتنا السّابقة عن أسباب التغيّرات الحاصلة في الموقف التركي، التي تعود بصورةٍ رئيسة، إلى التداعيات الّتي أسفرتْ عنها محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ودعم روسيا وإيران في حينه، لحكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان من جهة، وإلى التعاون الوثيق بين إدارة أوباما المنصرفة وحزب الاتّحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، وما تركه هذا التعاون من انعكاساتٍ سلبيّة على العلاقات التركيّة- الأمريكيّة من جهةٍ أخرى .
3- يلاحظ في البيان عدم ورود أيّة إشارة إلى بيان جنيف1واعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2254 أساساً وحيداً لحلّ الأزمة السوريّة : أي تشكيل حكومة وحدةٍ وطنيّة من السلطة وأطراف المعارضة المؤمنة بالحلّ السياسي ، تقود مرحلةً انتقاليّة مدّتها عام ونصف، تتولّى خلالها صياغة دستورٍ ديمقراطيٍّ عصري لسوريّا ينصّ على علمانيّة الدّولة، على أنْ تنتهي المرحلة الانتقاليّة بانتخاباتٍ حرّةٍ نزيهة، بإشراف الأمم المتحدة، على أساس الدستور الجديد .
4- يؤكّد البيان على تلبية رغبة مشاركة ممثّليّ الجماعات المسلّحة الموقّعة على اتّفاقيّة الهدنة في مباحثات الحلّ السياسي في جنيف، المزمع عقدها في شباط القادم، بعد أنْ تبيّن في اجتماعات جنيف السابقة، ارتهان وفد الرّياض لإرادة الجماعات المسلّحة .
5- أهميّة تأكيد البيان على أنّه لا حلّ عسكريّاً للصراع السوري، الّذي يمكن حلّه فقط، من خلال عمليّة سياسيّة، قائمة على أساس تطبيق قرار مجلس الأمن 2254بشكلٍ كامل .
6- التأكيد في البيان على دعم حالة وقف إطلاق النّار واتّخاذ قرارٍ بإنشاء آليّة ثلاثيّة روسيّة – تركيّة- إيرانيّة لمراقبة وضمان الالتزام الكامل بوقف إطلاق النّار وإصرار جميع الأطراف على القتال ضدّ تنظيميْ " داعش " و " النّصرة ". وكلّنا قد لاحظ اشتداد الاشتباكات العنيفة بين " جبهة النّصرة " و " الفصائل المسلّحة " الموقّعة على قرار وقف إطلاق النّار في إدلب وأرياف حلب، إضافةً إلى وضع وزارة الخارجيّة التركيّة تنظيميْ " داعش " و " جبهة النّصرة " على لائحة الإرهاب .
7- ورد في البيان إعادة التأكيد على الالتزام بسيادة واستقلاليّة ووحدة أراضي الجمهوريّة العربيّة السوريّة، باعتبارها دولة ديمقراطيّة، متعدّدة الإثنيّات، متعدّدة الأديان ، غير طائفيّة، وهذا أمر مناقض لوثيقة فيينّا ولقرار مجلس الأمن 2254الّذي ينصّ صراحةً على مبدأ " علمانيّة الدّولة " .
سبق أنْ نبّهنا وحذّرْنا من أنّ محاولاتٍ ستجري من جانب تركيا والسعوديّة وقطر والولايات المتحدة الأمريكيّة للالتفاف على مبدأ " علمانيّة الدولة " والاكتفاء بدستورٍ على غرار الدستور الّذي كان معمولاً به في سوريا، قبل وحدة عام 1958 ، بحيث لا ينصّ صراحةً على علمانيّة الدولة، لكنْ، بالمقابل، لا يكون قائماً على أساس التمثيل الطائفي والعرقي .
8 – ينبغي أنْ تتوحّد كلّ القوى الوطنيّة المخلصة للعمل معاً، من أجل أنْ ينصّ الدستور الدّيمقراطي المقبل صراحةً،على علمانيّة الدّولة، وأنْ يضمن حرّية الصحافة والرأي والتعبير والحقّ في التنظيم والاجتماع والتّظاهر والإضراب السلميّيْن واستقلال القضاء والنّقابات وفصل السلطات وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم والتداول السلمي على السلطة، من خلال انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهة، على أساس مبدأ النسبيّة، على أنْ تكون سوريّا دائرة انتخابيّة واحدة .
* * * .
1
هنا ينبغي أنْ نوضح أسس العلمانيّة :
- تنطوي العلمانية على فكرةٍ مركزية، غاية في الأهمية، هي فكرة الحياد الإيجابي للدولة إزاء الديانات والطوائف والمذاهب والأعراق والعقائد السياسيّة كافة،وأنْ تقف على مسافة واحدة منها ،دون تمييز،كما تعني أيضاً الحقوق والواجبات المتساوية للمواطنين جميعاً، أمام القانون، بغضّ النظر عن الدين والجنس والعرق والطائفة والمذهب والقبيلة والعشيرة، وهو ما يشكّل جوهر المواطنة وأساسها الراسخ، إضافةً إلى تمتّع الأقلّيّات والجماعات القوميّة بحقوقها الثقافيّة واللّغويّة، الأمر الّذي يعني انتفاء مختلف أشكال التمييز في ظلّ الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة .
2 - العلمانية ليست ضدّ الإيمان،إذ أنّ العلماني يمكن أنْ يكون مؤمناً، أو غير مؤمن، بل هي إجراءات وترتيبات لضمان حرية المعتقد والفكر وأساس لا غنى عنه لمبدأ المواطنة، فالقسر مرفوض في الدين والدنيا، إذ لا ينتج إكراه الناس على أمرٍ، إلاّ منافقين .
- يدفعنا ما تقدّم إلى البحث جدّيّاً عن علمانيّةٍ عقلانيّةٍ، تحرّر الدّين من الاستخدام السياسي التعسّفي له،من جانب السلطات الحاكمة والمتطرّفين الإسلاميّين على حدٍّ سواء، لأغراضٍ نفعيّةٍ ضيّقة، لا علاقة لها بالدّين وبجوهره الأخلاقي .
– العلمانية هي قول في الدولة، أكثر ممّا هي قول في الدّين، ما يعني أنّها قول في السياسة والقانون والبرلمان والسلطات والانتخابات والدستور. بيد أنّ العلمانيّة لا تركّز اهتمامها على الدولة فقط، بل وعلى المجتمع أيضاً، لأنّه الأصل الّذي ينتج الدولة، وليس العكس. بالتالي، فإنّ ترسيخ ثقافة المواطنة ونشر الثقافة العلمانيّة في المجتمع هي الأساس .
خاتمة
نعتقد أنّ مبدأ " علمانيّة الدّولة " ينبغي أنْ يشكّل الأساس الرّاسخ لدولتنا القادمة، الّذي ينصف الجميع ويلغي كافة أشكال التمييز على أساس العرق والدّين والجنس، ويساوي بين الجميع على أساس مبدأ المواطنة، فلا مواطنة حقيقيّة، بدون علمانيّة الدّولة .
وإذا لم يتمّ التوافق على هذا المبدأ الهام، فينبغي عندئذً عرضه على الاستفتاء الشعبي لاتّخاذ القرار المناسب بشأنه، ولنا كبير الثقة بأنّه سيحظى بأكبر تأييدٍ شعبي، لأنّ الأغلبيّة الشعبيّة تؤيّد الشعار النهضويّ الرّائع : " الدّين للّه والوطن للجميع " .
نرى أنّ بيان اجتماع أستانة الختامي بمجمله، يمثّل انعطافةً كبرى في حلّ الأزمة السوريّة ستضع سوريّا على طريق حلّ أزمتها سياسيّاً، رغم المنطقة " الآمنة " الّتي يتوهّم ترامب أنّه يستطيع إقامتها في شمال سوريا.
المعلومات الأساسية
تاريخ الصدور
البلد المستهدف
نوع الوثيقة
العنوان الأصلي للوثيقة
اللغة
كود الذاكرة السورية
الجهة المصدرة
وثائق أخرى للجهة المصدرة
بيان الحزب الديمقراطي الاجتماعي بمناسبة عيد العمال العالمي
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (قيد التأسيس)
تاريخ الصدور:
2020/05/01
بيان عيد العمّال العالمي صادر عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (قيد التأسيس)
تاريخ الصدور:
2017/04/30
تعليق من الحزب الديمقراطي الاجتماعي حول اجتماع لوزان
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (قيد التأسيس)
تاريخ الصدور:
2016/10/16
بيان إدانة من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لاغتيال الكاتب الأردني العروبي الديمقراطي ناهض حتر
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (قيد التأسيس)
تاريخ الصدور:
2016/09/25
أفكار ومبادئ رئيسة للحزب الديمقراطي الاجتماعي (الوضوح يعني تحديد التخوم )
نوع الوثيقة:
برنامج / رؤية سياسية
الجهة المصدرة:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (قيد التأسيس)
تاريخ الصدور:
2016/09/23
رؤية الحزب الديمقراطي الاجتماعي حول حل الأزمة في سوريا
نوع الوثيقة:
برنامج / رؤية سياسية
الجهة المصدرة:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (قيد التأسيس)
تاريخ الصدور:
2016/10/30
تعريف بالحزب الديمقراطي الاجتماعي: من نحن
نوع الوثيقة:
بيان
الجهة المصدرة:
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (قيد التأسيس)
تاريخ الصدور:
2016/11/10
شخصيات مرتبطة
لايوجد معلومات حالية
كيانات متعلقة
لايوجد معلومات حالية
يوميات مرتبطة
لايوجد معلومات حالية