الذاكرة السورية هي ملك لكل السوريين. يستند عملنا إلى المعايير العلمية، وينبغي أن تكون المعلومات دقيقة وموثوقة، وألّا تكتسي أيّ صبغة أيديولوجية. أرسلوا إلينا تعليقاتكم لإثراء المحتوى.
ملاحظة: الشهادات المنشورة تمثل القسم الذي اكتمل العمل عليه، سيتم استكمال نشر الأجزاء المتبقية من الشهادات خلال الفترة اللاحقة.

طقس الحلاقة وما يرافقه من تعذيب في سجن تدمر 1

صيغة الشهادة:

فيديو
نصوص الشهادات

مدة المقطع: 00:12:23:13

سأتكلم الآن عن المحطات الأسبوعية التي أيضًا لا مفر منها ولا مهرب، ولكنها تأتي في كل أسبوعٍ مرة، وهي محطتان: المحطة الأولى هي الحلاقة، والمحطة الثانية هي الحمام، طبعًا الحلاقة والحمام من حيث الاسم هي أسماء جميلة، والإنسان حين يستحم [فذلك] هو أفضل ما يصبو إليه الإنسان حين يكون منهمكًا في عمله فيستحم ويتطيب ويرتاح، وكذلك الحلاقة، وهذا في الحياة العادية، أما في حياة السجون فقد كانت الحلاقة والحمامات لها معان أخرى، معان مؤلمة للغاية، قد لا أبالغ إن قلت أنَّ الحلاقة والحمامات كانت أصعب المحطات على الإطلاق، والحمامات هي أصعب المحطات يأتي بعدها الحمام [يقصد الحلاقة - المحرر] وبعدها المحطات المتبقية، ولكن كل تلك المحطات لها -كما تكلمنا خصوصية- في الصعوبة والخطر والأذى والضرر والهم النفسي على السجناء.

 دعني أتكلم الآن عن محطة الحلاقة والحلاقة الحقيقة كان لدينا بشكل أسبوعي، وهي كانت للذقن بشكل أسبوعي، وللشعر كل 3 أسابيع يجب أن تحلق شعرك، ولو تكلمت عن قضية حلاقة الذقن فالجميع بلا استثناء سيخرج إلى حلاقة الذقن، ولو لم يكن في ذقنه شعرة واحدة، وحين دخلت إلى السحن كان عمري 17 سنة، وبالتالي لم يكن في ذقوننا أي شعر، ولكن لا بدَّ لك أن تخرج إلى الحلاقة، وهي في حقيقتها تشويه وتعذيب في كل أنواعه، وهي أقسى من قبل، والخروج كان [أن] كل باحة من الباحات تجهز نفسها من مهجع إلى آخر، حتى ينتهي من الـ 1 و2 و3 ندرك أنَّ اليوم دورنا في الحلاقة، ونتأهب لهذا اليوم، ونستعد نفسيًّا ونلهج بالدعاء لله سبحانه وتعالى أن يعتني ويتلطف بنا.

 وحين يأتي دورنا ويُفتح الباب من أجل إخراج الشباب كان يخرج كل 10 أشخاص مع بعضهم، طبعًا شبابنا قرابة 10 يصطفون على الحائط وأيديهم وراء ظهورهم ورؤوسهم منكسة، ووجوههم على الحائط وأعينهم مغمضة، والويل كل الويل لمن خالف هذه الأمور، وهي الذريعة الجاهزة من أجل أن يعاقب بالقتل والكرابيج، وطبعًا في الطرف الآخر لدينا هناك طرفان: وهو طرف الحلاقين وطرف الشرطة، ودورية الشرطة في الحلاقة من 10 إلى 15 معهم رئيس الدورية أو النوبة [وهو] عريف أو رقيب من أقذر البشر على الإطلاق، والعناصر مختارون لينتقموا من هؤلاء الشباب، وقد حرِّضوا عليهم أنَّهم مجرمون ولا بد من قتلهم، وهذا الصنف الأول الذي سيمارس القتل ويشرف على الحلاقة، أما الطرف الثاني هم من يقومون بحلاقة الذقون وكنا نسميهم البلديات، والبلديات أو الحلاقون هم من العناصر الشاذة الفارين من الجيش وأصحاب السوابق الخبيثة من السرقات أو الأمور الأخلاقية، فيأتون بهم إلى السجون تحت اسم سرية التأديب، وغالبًا هؤلاء من العلويين، ولم يكونوا يجلبون سنيًّا، ويمكن أن يكون هذا أخبث من الشرِطة، وهؤلاء كانوا يقومون بالحلاقة وكانوا يتوزعون على صنفين، ويأتي 6 حلاقين؛ 3 للرغوة و3 معهم شفرات من أجل الحلاقة، وحين يخرج الشباب ويصطفون على الحائط من شبابنا سيمشي خطوة خطوة حتى يصل إلى الراغي الأول والثاني والثالث، والرغوة لا تقتصر على الذقن فقط، وإنما ستطال الوجه؛ بأكمله فمك وأنفك وعيونك وحواجبك كلهم سيخرج الرغوة، وينتقل إلى الثاني ويزيد من الرغوة عليه على وجهه، ويصل إلى الرغوة بالثالث، ويزيد من الرغوة عليه، حتى إذا ما نظرت إلى الشاب الذي أصبح بين هؤلاء المجرمين، وسينتقل إلى الحلاقة وكأنَّ وجهه أصبح كرة من الثلج الأبيض، فعيناه ليست ظاهرة وأنفه ليس ظاهرًا وفمه ليس ظاهرًا، وكله (وجهه) مع الأسف، وهذه نقطة كانت تسبب كارثة لدى الشاب أحيانًا لأنَّه سيتنفس، وإذا ما تنفس الرغوة ستطير، وستأتي إما للراغي أو ستأتي إلى الحلاق، وبالتالي يقول له أنَّه ينفخ عليه، وتكون الذريعة جاهزة، وحين ينتهي من هذا الراغي وينتقل إلى الحلاق الأول، وهنا الحلاق وكأنك تقف بين يدي جزار، وجزار بكل معنى الكلمة وأكثرهم يتعلمون الحلاقة بنا، وطبعًا حين كنا نقف بين أيديهم كان الجو النفسي الذي نعيشه والتوتر الذي كان ينتابنا، ونحن في هذا الحال من خوفٍ من هؤلاء، وضربٍ للكرابيج لشبابنا الذين يقفون الآن وينتظرون أدوارهم، ومن التبلي والكلمات النابية الذي نسمعه، وتصور هذا الجو النفسي الذي يحيط بنا الآن، وأحيانًا لا ننتبه ولا نكترث للجروح التي تخدش في ذقوننا، حتى إذا ما انتهى كلّ منا من هذا الأمر فيما لو جاءت الشكوى عليه أنه كان ينظر أو ينفخ أو يبصبص (يختلس النظر) بعينيه وقام بحركة فالويل له لأنَّ الجلاد سينتظره على أحر من الجمر، طبعًا إذا وجدوا الفريسة جاهزة تسلوا بها، علمًا أنهم لن يتوقفوا عن التسلية، فالراغي يقوم بعمله والحلاق يقوم بعمله، والإخوة الذين على الحائط يتسلون بهم، وأصوات الكرابيج تعلو الساحات كلها.

حتى إذا ما انتهينا هذه الدفعة كلها لا بدَّ من نعيمًا ولدينا شيء يُسمَّى نعيمًا (كلمة تُقال بعد الحمام عادة) وهو القتل بدل أن يقول لك نعيمًا ستنزل وتنبطح على الأرض، وترى ما هو نصيبك من القتل والكرابيج واللكمات والرفسات، ويمكن [أن] تدخل وأنت مشوه وأنت مكسور الضلع وفي حالة يًرثى لها، وطبعًا كل دفعة من تلك الدفعات تعاني مما تكلمت، وخاصة الذين كانوا مثلنا لا يوجد شعر في ذقونهم، حين كانت تلعب الشفرات باللحم الناعم لذقوننا، وكانت الجراحات كثيرة للغاية.

 ومدة الحلاقة كانت تأخذ ساعة أو ساعتين للمهجع الواحد، وكانت غزوة من أصعب الغزوات على الإطلاق، وفي التنفس ممكن ألا تأكل ولا [أية] قتلة (ضرب)، ولكن في الحلاقة حقيقة الكلُّ سيُتفرد به وسيقف لوحده في يد الراغي الأول والثاني والثالث، وبالتالي سينتهي بـ نعيمًا، ونادرًا ما تكون الحلاقة هادئة، وإنما تكون من أصعب ما يكون، وخاصة إذا كانت الأمور في الخارج مضطربة، فإذا ما كانت الأمور مضطربة انعكس هذا الأمر على الداخل عندنا، وعلى الجولات التي سنخوضها معهم، طبعًا عندما تنتهي الحلاقة -حلاقة الذقن- وينتهي الكل يُغلق الباب وينتقلون إلى غيرنا، وقبل أن ينتقلوا إلى غيرنا ما إن يغلق الباب حتى ننظر إلى أنفسنا وإذا بالجميع مشوهون، ولكن سبحان الله -كما قلت لك- قليل من الشباب من كان يشعر بهذا الألم، لأنَّ الوضع النفسي قد يكون أقسى وأشد ألمًا، وإذا ما انتهوا من مهجعنا سينتقلون إلى المهجع الآخر مباشرة، ولا يمكن لنا [أن نشعر] بالراحة أبدًا، ولا يمكن أن تتوافر حتى يخرجوا من الباحة كلها، لأنَّك تسمع أصوات إخوانك وبالتالي الـ نعيمًا والركلات واللكمات كل تلك الأمور أنت تسمعها، وحين تأكل القتل أحيانًا قد لا تشعر بالكثير من الألم إلا ما ينتابك مع صبرك وثباتك وصمودك، ولكن حين تسمع إخوانك يُقتلون وأصواتهم تعلو في الساحات، حقيقة أنت في وضع نفسي قاس للغاية، لا يكل لسانك عن الدعاء لهم ودومًا ينتابك الشعور بالألم، وهذا بشكل عام لهذا اليوم.

معلومات الشهادة

تاريخ المقابلة

الأحد 2022/12/11

الموضوع الرئیس

الاعتقال قبل الثورة

كود الشهادة

SMI/OH/159-18/

رقم المقطع

18

أجرى المقابلة

خليل الدالاتي

مكان المقابلة

اعزاز

التصنيف

مدني

المجال الزمني

قبل الثورة

المنطقة الجغرافية

محافظة حمص-سجن تدمر

شخصيات وردت في الشهادة

لايوجد معلومات حالية

كيانات وردت في الشهادة

سجن تدمر

سجن تدمر

الشهادات المرتبطة