الأوبئة التي حلت على سجن تدمر - 2
صيغة الشهادة:
مدة المقطع: 00:12:40:19
أمَّا في السنة التي تليها في عام 1983 أيضًا أتانا ضيف وهو القمل، والقمل بيئة السجن مناسبة له من الازدحام والرطوبة وعدم النظافة البيئية بشكل كبير وقلة المياه، فتوجد هناك صعوبة بأنه لا يجعل أحداً منا ينام لا في الليل ولا في النهار حتى [إننا] حاولنا قدر الإمكان على العمل لقتله بأيدينا، فوضعنا برنامجًا أنَّه بعد التفقد يوميًّا يشلح (يخلع) كل واحد منا [قميصه، ويصبح] عاري الصدر ليقوم بقتل ما في ثيابه من القمل، وكان هذا مبرمجًا حتى تخلصنا منه.
وفي 1984 نزلت في ساحتنا الحمى المالطية والتيفوئيد، وكانت من أصعب الأمراض التي دخلت إلى مهاجعنا، والتي أصابت الكثير من شبابنا والذين تُوفوا، وأنا من الذين أُصيبوا بها، وكنت آنذاك في مهجع في الباحة الـ6 رقمه 34، وكنت آنذاك رئيس المهجع، وحين أُصبت بهذا المرض تقريبًا أوشكت على الموت أنا وأحد الإخوة، كنا مصابين قرابة 5 [مصابين]، ولكن لدينا 2 كانا مرشحَين للموت الحقيقي لإصابتهم البالغة، وكنت -العبد الفقير- أنا منهم والأخ الثاني استُشهد، وربي أنجاني من الموت بعد أن عانيت لأكثر من شهرين، وتوقف الشعر واصفر الوجه ونحل الجسم ولا يوجد أكل، وصار انسداد أمعاء، ومظاهر صعبة جدًّا لمن كان يصاب وهذا المرض حصد عددًا لا بأس به من أرواح شباب تدمر.
وجاءنا بعد هذا المرض اليرقان وسبحان الله كان من الأمراض العصيبة التي دخلت السجن، وتمت معالجته إلى حد معين، وحصد من أرواح الشباب [الكثير]، ولكن أدخلوا له الهريسة (نوع من الحلويات) والبيض وهذه الأمور قدر الإمكان وإلى حد معين لم يطل كثيرًا، ليأتي بعده في الـ 1987 السل والذي حقيقة أقضَّ مضاجع سجن تدمر بالكامل، والسل استفحل في السجن بعد الـ 87، وعلمنا بعد ما حلَّ بنا هذا المرض عن بعض الحالات التي كنا نفتقدها في سنة 81 و82 و83 أنَّ بعضًا من شبابنا كانوا ينحل جسمهم يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة وشهرًا بعد شهر، ثمَّ سرعان ما يغادر ويموت، وحين حصل وتكلمنا من كشف مرض السل، تأكدنا أنَّ من ماتوا في السنوات الماضية كانوا أيضًا في مرض السل، ولكننا لم نستطع أن نكتشف هذا المرض إلا بعد 87 أو 86.
وبعد تلك الأعوام جاء على أثر انقطاع الطعام أو قلة الطعام بشكل كبير جدًّا جدًّا، وسميناه أيلول الأسود وكان في 87 حيث لم يعد هناك أكل، وفي الأصل طبيعة الطعام في سجن تدمر قليلة لا تكفي لطفل واحد، وما بالك كل شخص يطلع له (يكون نصيبه) ثلث خبزة واحدة، وأنت ستلحق نفسك بها كيف ستأكلها وأكل آخر لا يوجد، وبقي هذا الأمر حوالي الشهر الأول ثلث خبزة والشهر الثاني نصف خبزة والشهر الثالث خبزة واحدة، و3 أشهر أقضت مضاجع السجن [من] نحول الأجسام وتمكَّن الأمراض من أجسادهم وخاصة السل، وحين تمكَّن السل في الأجساد هنا كان الشباب أو الأطباء الموجودون معنا في السجون من خلال علمهم ابتكروا طريقة لكشف السل، وكان أحدهم يحاول [ذلك] لأنَّه ليس لدينا آلات معينة حتى نستطيع أن نكشف هذا الأمر، ولكن الطبيب كان حقيقة يضع أذنه على ظهر المريض وبالتالي يشعر بنبضاته، ويحاول أن يشخِّص تلك الأمراض، وحتى نوعية السل المصاب به هل هو سل رئوي؟ ويشخصه من خلال سماع الرئة، أم سل سحايا، أم عظام؟ ولم نكن ندرك كل تلك الأمور ونوعية هذا السل، وحين تفاقم هذا الأمر، ولا بدَّ من الإلحاح على إدارة السجن كي لا يكون له تداعيات كثيرة جدًّا، وهنا استجابت إدارة السجن خشية على أنفسهم من أن ينتقل إليهم، وأنشأت مهاجع السل.
ومهاجع السل أُنشئت، وكنت ممن ينزلون في تلك المهاجع، وتلك مرحلة كبيرة من الألم والآلام حين تدخل وترى المئات من الشباب في كل مهجع، وحين دخلنا لدينا مهجع الـ 29 ومهجع الـ 30 وبعد ذلك الباحة الـ7 كلها حُوِّلت لمهاجع سل، وبالتالي ترى تلك الحالات، ولديك حالات مأساوية وإذا كان الشخص مصابًا 20%، [فعند] دخوله إلى المهجع ورؤيته لهؤلاء الشباب الذين يصابون ينتكس 100% ويصبح مصابًا بالكامل، وترى أحدهم وقد وضع صحنًا وهو يملؤه من البصاق الممزوج بالدم، وأحدًا يتلوَّى من الألم لأنه مصابًا بسل السحايا، وأحدهم يصرخ من ألمه لأنَّه مصاب بسل العظام، والطعام كما هو والآلام التي تراها أمامك ونحول الأجسام وكأنها أشباح وهياكل، والحقيقة هذا ألم بحد ذاته.
والأمر الثاني حين أدخلونا لهذه المهاجع من هذا الصنف كانوا يقدمون أنواعًا من الأدوية اسمها آرشدين والإيزوليازين وهي أنواع من الدواء للسل، وهذا كان لا بدَّ من متابعة الدواء بشكل يومي لأنَّك إذا ما تخلَّفت عنه أيامًا انتكست وعدت إلى ما كنت عليه، وما كانوا حقيقة يستمرون في إتيان الدواء، وتشعر أنَّ هذا الأمر مبرمجًا من إدارة السجن أنهم يقدمون لك الدواء مدة شهر كامل وكل يوم ستأخذه، ولكن يقطعونه [عنك] أسبوعًا، وبالتالي كل تلك الحالات ستقع في انتكاسات بعد أن أوشكت على الشفاء، وبالتالي أنت أمام مزيدٍ من القتلى والموتى بهذا المرض.
وحقيقة الأمراض التي حلَّت في سجن تدمر وتغلغلت في أجسادهم كانت كثيرة جدًّا ومؤلمة جدًّا، وحصدت منهم الآلاف ولا أقول المئات، بل الآلاف، وخاصة السل الذي أخذنا -كما يقال- وتربع في مضاربنا حين قلَّت لدينا الأطعمة، والتي في الأصل هي قليلة مع التعذيب الذي مورس علينا.
ومما يُذكر حين أخذونا إلى الباحة الـ 7 ليفصلوا مهاجع السل عن غيرها كانوا يخرجوننا تنفسًا 5 ساعات في اليوم، وهذه ماذا تعني؟! وتكلمنا في حلقات سابقة عن جولة التنفس وما تكلفه من قتل (ضرب) كبير جدًّا، بينما الآن سنخرج من وقت التفقد بعد الغداء مباشرة إلى المساء، ونحن كلنا عراة الصدور، وتدمر صحراء وبالتالي كنا نعاني من أمرين يجلسوننا حقيقة بشكل تربيع على أرض ملساء، وما زلت أذكر "باحة المستوصف" كنا نسميها ملساء 100% وحرارة الشمس أعتقد كانت تفوق 60 و70 و80 و100 درجة، وإذا ما جلسنا عليها مباشرة كانت أرجلنا يخرج منها القيح، ولكن لا تستطيع أن تتحرَّك أبدًا وأنت جالس ممنوع الحركة وهذا من أجل أن تأخذ من أشعة الشمس، وهذا الأمر عذاب كبير جدًّا، ولم يقتربوا منا في التنفس، ولكنهم [كانوا] يحرسوننا من الخارج حتى لا يصابوا، ولكن [وهذه] الساعات الطوال كانت تكلفنا الكثير من التعب الجسدي والنفسي، وبشكل يومي [كان] هذا التنفس، إضافة إلى حالات التعذيب التي ستطالنا من خلال هذا المجرم الذي يمسك بسلاحه لأنه حرس، ويأمر الشباب بتعذيبهم بالطرق التقليدية مما ينهك أجسادهم بشتى أنواع العذاب، والتي سنتكلم عنها -طرق العذاب وغيرها-، وبالتالي لم ننج من أي نوع من أنواع المرض، و[رغم] كل هذا الأمر كان الشباب مستسلمين لقدر الله راضين بقضاء الله، وهو أمر الله الذي قضى فيهم، ونتيجة هذه الأمراض كان [هناك] مئات وآلاف الشهداء فضلًا عمن استُشهدوا في ساحات التعذيب.
معلومات الشهادة
تاريخ المقابلة
الثلاثاء 2023/01/10
الموضوع الرئیس
الاعتقال قبل الثورةكود الشهادة
SMI/OH/159-31/
رقم المقطع
31
أجرى المقابلة
خليل الدالاتي
مكان المقابلة
اعزاز
التصنيف
مدني
المجال الزمني
قبل الثورة
المنطقة الجغرافية
محافظة حمص-سجن تدمرشخصيات وردت في الشهادة
لايوجد معلومات حالية
كيانات وردت في الشهادة
سجن تدمر