الذاكرة السورية هي ملك لكل السوريين. يستند عملنا إلى المعايير العلمية، وينبغي أن تكون المعلومات دقيقة وموثوقة، وألّا تكتسي أيّ صبغة أيديولوجية. أرسلوا إلينا تعليقاتكم لإثراء المحتوى.
ملاحظة: الشهادات المنشورة تمثل القسم الذي اكتمل العمل عليه، سيتم استكمال نشر الأجزاء المتبقية من الشهادات خلال الفترة اللاحقة.

محاولات التمرد وقصة النقيب قصي حنيدي، المناطقية والانتقال لفرع الدوريات

صيغة الشهادة:

فيديو
نصوص الشهادات

مدة المقطع: 00:30:50

ظروف التمرد في بدايات الثورة كانت واضحة جدًا في السجون، وكان هناك حسّ ثوري عالي، وخاصةً مع تجدّد المعتقلين، فمن يأتي من الخارج (خارج المعتقل – المحرر) حيث كان يسمع الأخبار ويعيش الأوضاع، كان يقول للمعتقلين إن الثورة ضخمة وقوية ومستمرة، الأمر الذي كان يشجّع المعتقلين إذا أرادوا فعل شيء، وخاصةً في سجن صيدنايا (سجن صيدنايا العسكري – المحرر) حيث كان هناك انقطاع، فالناس تنهار معنوياتها وترتفع عندما تحصل اشتباكات في الخارج.

في الأمن العسكري حصل هجوم على الإدارة في كفرسوسة، وكانت معركة طاحنة، وكنت موجودًا في القبو، وانطفأت الشفاطات (شفاطات الهواء – المحرر)، وكنا نسمع صوت قذائف "الآر بي جي" تدكّ الفرع، وكانت معركة طاحنة من أروع المعارك بصراحة حسب الصوت.

وفي ذلك الوقت أنا تحدثت مع الشباب أبناء دعوتي من الشام (دمشق)، وكان هذا الكلام في شهر أيار/ مايو عام 2012، قبل أن ينقلونا بأسابيع إلى [سجن] الإيداع، وقلت لهم: "علينا تشكيل قيادة في المهجع كي نقوم بتمرد من الداخل، ونحتل الفرع من الداخل، في حال دخل الشباب من الخارج". واتفقنا، واتفقت مع شاب ثانٍ استُشهد، وشاب ثالث أيضًا استُشهد، وهما استُشهدا بعد ذلك ليس نتيجة هذه الحادثة، وإنما استُشهدا لاحقًا في سجن صيدنايا، و[اتفقت] كذلك مع شخص لا أعرف إن كان لا يزال على قيد الحياة لذلك لن أذكر اسمه، وهو من درعا البلد، ومع شخص آخر طبيب من حماة وهو مختفٍ قسريًا، ولا أعرف إن كان لا يزال على قيد الحياة أم هو ميت لذلك لن أذكر اسمه أيضًا، واتفقنا على تشكيل هذه القيادة، وعلى البدء بالحديث داخل المهجع حيث كان عدد المعتقلين 70-80 معتقلًا حتى يكونوا معنا. والخطوة الثانية أن يكون هناك أشخاص (...)، فعندما يخرج أحدنا إلى التحقيق يجتمع على الجدار حيث يُشبح مع معتقلين من مهاجع أخرى، ويحاول إيصال هذا الكلام بأي طريقة إلى المهاجع الأخرى، وذلك أثناء الخروج إلى التحقيق أو الخروج إلى السخرة، ففي كل يوم كان يخرج شخصان من المهجع إلى السخرة، بشكل أساسي جماعة السخرة، وهكذا من يخرج إلى السخرة سيرى جماعة السخرة من المهاجع الأخرى، وفي حال معرفتهم بشكل جيد والثقة بهم فليخبرهم، وهذا ما حصل.

كان مهجعنا اسمه أربعة يسار على ما أعتقد، فقد كان يوجد خمسة مهاجع على اليمين وخمسة على اليسار في الأمن العسكري، وأعتقد أننا كنا في المهجع رقم أربعة أو خمسة يسار، والتقينا مع أشخاص من المهجع واحد واثنين يمين، وشخص آخر من مهجع ثالث نسيت رقمه، وأخبرناهم بما سنفعل، واتفقنا وأخبروا رفاقهم في الداخل.

وعندما قاموا بذلك في المهجع اثنين يمين، أخذوا القصة على عاتقهم وقالوا "نحن جاهزون"، مجموعة من الشباب الذين جاؤوا عندما تم إخراج الإسلاميين من سجن صيدنايا في شهر أيلول/ سبتمبر عام 2011 (خرجت الدفعة الأولى من المعتقلين السلفيين والجهاديين في سجن صيدنايا منذ شهر أيار/ مايو 2011 – المحرر)، وطبعًا لم يتم إخراج الجميع حينها، وإنما أخرجوا مجموعة وتركوا مجموعات أعادوها إلى الفروع الأمنية، وأفرغوا سجن صيدنايا بشكل كامل وحوّلوه إلى سجن للثورة السورية، أي مكان لتأديب الثورة السورية، "تأديبها" بكل ما لهذه الكلمة من معنى. وهؤلاء الأشخاص الذين أعادوهم، وكان الأمر مدروسًا برأيي الشخصي، هم الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا قياديين، وقرارهم ووعيهم يمكن أن ينعكس على الثورة ككل، فيجمع ولا يفرّق، ويوحّد ولا يشتت.

وكان هناك شخص اسمه أبو سليمان خالد الحاجي، وكان ضابطًا ملازمًا، وهو لا يزال معتقلًا ومختفيًا، وكان من [حزب] التحرير الإسلامي وتركه بعد ذلك، وهو قيادي ومفكر، وكذلك كان هناك عبد الرحمن من المزة، وأصله من دير الزور، ونسيت كنيته، هؤلاء الأشخاص اجتمعت بهم في الجوية (فرع التحقيق في المخابرات الجوية – المحرر)، بينما رفاقهم كانوا موجودين في الأمن العسكري، ولكنني لم أجتمع بهم لأنهم كانوا في المهجع الذي يلينا، والذي حدّثهم عن فكرة القيادة هو ابن دعوتي، وعندما تحدث معهم وافقوا على الفكرة وعملوا عليها، وقالوا: "إننا جاهزون، وسوف نعمل مع بعضنا"، وهنا علم بالقصة أحد المساجين العملاء، أي "فسفوس"،  وأخبر السجانين. ونحن للآن لم نتحدث مع الضباط المنشقين [بهذا الأمر]، وتحدثنا فقط مع المدنيين، ففي الحقيقة بالرغم من محبتنا وعلاقتنا كان لدينا خوف من المنشقين، ومن أن يكون لديهم بوادر عمالة، لذلك لم نتحدث معهم بالأمر.

هذا العميل أخبر السجانين، فأخرجوا "الصيدناويين" (المعتقلين القادمين من سجن صيدنايا – المحرر)، وعذبوهم تعذيبًا وحشيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تعذيبًا وحشيًا لا يمكن وصفه، وعلى الرغم من ذلك الحمد لله لم يعترفوا علينا، وقالوا إن الفكرة خرجت من عندهم، ولو اعترفوا علينا لما كنت أنا موجودًا هنا الآن، فهم ماتوا بعد أن أعادوهم إلى سجن صيدنايا كمعتقلي ثورة هذه المرة، وليس كمعتقلين إسلاميين كانوا موجودين قبل الثورة في السجن.

جاء شاب آخر من صيدنايا، أيضًا كنا نظن أنه مجنون، جاء من أجل التحقيق، وأخبرنا أننا سوف نُحال إلى سجن صيدنايا والى المحكمة الميدانية (المحكمة الميدانية العسكرية – المحرر)، ولن يخرج أحد، وإن المعتقلين عندما يصلون إلى هناك ينامون يومًا أو يومين وأحيانًا أسبوعًا عراة، ولا يوجد طعام، إنها المجاعة، فيأكلون أي شيء موجودًا في الأرض، وطبعًا نحن لم نصدقه، وكان دائمًا السؤال: هل سيكرر الأسد أحداث الثمانينيات؟ يستحيل ذلك في هذا العصر والزمان، ولكنه فعل أكثر مما فعله في الثمانينات.

في هذا الوقت خرج معتقلون من السجن، ولكنهم قلة قليلة جدًا، فمنهم معتقلون خطأً ولم يفعلوا شيئًا، وهناك شخص قبل أن يخرج علمنا أن المحقق قد قال له إنه سيخرج ولا يوجد عليه شيئًا وقد تم اعتقاله خطأً، فأخذنا قميصه الداخلي وكتبنا عليه رسائلًا لأهلنا، كتبنا: "نحن هنا بخير، ونحن في الأمن العسكري في الفرع 291، ولم يحصل علينا شيء، حاولوا إخراجنا بأي طريقة فقد طال اعتقالنا"، وكذلك "رأيت فلانًا وفلانًا"، أي الأشخاص الذين قابلتهم ممن أعرفهم، ووصل القميص، ووصلت رسالة منه إلى أهلي.

بعد ثلاثة شهور في فرع الأمن العسكري 291، وكانت المهاجع مكتظة، سمعنا أن العسكريين سيخرجون، واعتقدنا أنهم سيُفرج عنهم، ويدؤوا يباركون لبعضهم البعض، وكان عرسًا حقيقيًا في المهجع، ونحن كنا سعداء على أساس أنه سيأتي دورنا بعدهم بالتأكيد، وعندما كانوا ينادونهم نادوا أيضًا أسماء بعض المدنيين، وكانوا يقبلون بعضهم، وكل شخص يخرج كان يقبل الشخص الذي لم يُذكر اسمه، وبعد قليل كانوا ينادون اسم الشخص الذي بقي. والسجانون أيضًا، كانوا يكذبون نفس الكذبة معهم، ويقولون لهم: "سلّموا على أهلكم"، وإذ كان الخروج للمحكمة الميدانية، ثم إلى سجن صيدنايا.

ونحن علمنا بذلك لأننا اجتمعنا ببعضهم في سجن صيدنايا، أي اجتمعنا بعدد كبير من هذه الدفعة، فعمليًا كل تلك الدفعة ذهبت إلى صيدنايا، ونحن بقينا بعدهم أسبوعين، ثم نادوا أسماءنا وتمت إحالتنا إلى سجن صيدنايا، ونحن لم نذهب إلى سجن صيدنايا [في البداية]، ولكن تمت إحالتنا إلى [سجن] الإيداع.

النقيب قصي حنيدي أبو داود هو من أكثر الضباط المنشقين انضباطًا عسكريًا وعروبيةً وتديّنًا وثوريةً، فهو ثوري إلى أبعد حد، وفي الوقت ذاته هو مرح وقيادي، ينطبق عليه وصف القائد، وكان يسرّ لي الكثير من الأمور، وعندما نادوا أسماءهم كان يقفز من الفرح على أساس أنه سوف يخرج، وبعد ذلك جاء إلي وأخذني على طرف، وقال لي: "أريد أن أخبرك أمرًا، نحن سنخرج كما أرى، ولكن تلك الجماعة (المقصود النظام – المحرر) أنا لا آتمنهم، وقد يكونون كاذبين، وقد يأخذوننا إلى مكان آخر. فليس من المعقول أن يطلقوا سراحنا هكذا إلى منازلنا ونحن منشقون"، قلت له: "ما هو رأيك؟"، فقال: "إذا خرجنا وكانوا يأخذوننا بهدف قتلنا فأنا أريد أن أخبرك: أنا لم أساعد فقط أشخاص حتى لا يتم اعتقالهم، ولم أبصق فقط على صورة بشار الأسد، بل أنا قائد كتيبة الحق من الجيش الحر في الكسوة، أسستها أثناء وجودي في الفرقة الأولى، وهذه المعلومة لا يعرفونها ولم أعترف بها لغاية الآن. والكتيبة موجودة، وهي عاملة في الكسوة"، وأضاف: "لا تذكر هذا الكلام لأحد، وإذا جاءك خبر استشهادي قولها". وأنا لم أخبر أحدًا بذلك، وحتى الشباب الثقات تمامًا لم أذكر لهم هذا الأمر.

وبعد مرور الأيام، وعندما أصبحنا في سجن صيدنايا، كان هناك ثقب في زنزانتنا، وكانت زنزانتنا مميزة بهذا الشيء، وفي أحد الأيام كانوا يضربون شخصين لأنهما كانا يصليان، وكنا أنا والشباب نتناوب على هذا الثقب، فقال أحد الشباب واسمه أحمد الرز، وهو ابن دعوتنا: "يا شباب هذا أبو داوود قصي حنيدي"، وكنا نظن أنه خرج، وكانوا يضربونه ومعه شاب آخر مجند معتقل، وقالوا لهذا الشاب: "اخلع ثيابك"، وخلع ثيابه، ثم قالوا لأبي داوود: "اخلع ثيابك"، فقال: "لن أخلعها"، فاستمروا بضربه إلى أن مزقوا ثيابه، واستمر بالرفض وبقي على لباسه الداخلي، فضربوه إلى أن عرّوه تمامًا. وهو بعد ذلك بقي فيه زنزانته أشهرًا، وعندما أحالونا إلى المهاجع وأثناء إحدى الزيارات، وبينما كنا ننتظر دورنا في الزيارات اجتمعنا مع معتقلين في مهاجع أخرى، وسألناهم: "من يوجد عندكم من الضباط؟"، فقالوا فلان وفلان وقصي، وسألتهم: "كيف حال قصي وما هي أخباره؟"، فقالوا إنه مات في الزنزانة بعد أن تعفن جسمه بسبب الجرب، وأصابته صدمة إنتانية، واستُشهد.

قصي/ أبو داود هو من الأشخاص القليلين الذين تركوا انطباعًا وأثرًا قويًا في نفسي، فلو كان له مستقبل لكان قائدًا عسكريًا وطنيًا حقيقيًا، ولكنه استُشهد. وعليّ ألا أنسى ذكر هذه القصة بعد أن أسرّ لي بما كان يقوم به، ولم يسرّ لأحد غيري، وكان حزينًا لأنه لم يكن لديه أولاد.

نحن بقينا لفترة من الزمن، وبعد أسبوعين أو ثلاثة، وتحديدًا بتاريخ 20 حزيران/ يونيو جمعونا ونقلونا إلى [سجن] الإيداع، وقبل نقلنا حصلت عدة حوادث صغيرة لابد من تسليط الضوء عليها، ففي المهجع كنا ننظّم المسابقات، ونحن كنا جامعيين بالأساس. ومن بين الأمور التي سعينا لها إقامة ندوات ثقافية يومية من قبل شباب دمشق، والذي أسس لهذه الفكرة أبو جاسم من دوما وهو توفيق إنجيلة، فك الله أسره أو رحمه الله غالبًا، هو الذي أسس لهذه الندوات، ونحن تابعناها وبدأنا ننقل الفكرة إلى بقية المهاجع، وكانت الفكرة أن أي معتقل صاحب مهنة أو تقني أو جامعي، يوميًا بعد الغداء نعقد ندوة فيها محاضران أو ثلاثة يتحدثون عن مهنتهم، وكان هناك شخص جمّال من تدمر حدّثنا عن هذه المهنة، وكان هناك شخص يعمل في المصاعد حدّثنا عن هذه المهنة وحوادثها وتقنيات المصاعد وكيف تطورت، وآخر مهندس حدّثنا عن اختصاصه، وكان هناك مهندس من تدمر من أهم المهندسين في سورية، ومن القلائل الذين يعملون بالأمور الدقيقة في الأمن الصناعي "Safety"، أيضًا حدّثنا عن عمله، والعديد من تلك الأمور كنا نقوم بها، وكنت أنا وأبناء دعوتي ننظمها.

في هذا الوقت وعندما يكون هناك مشاكل كنا نحاول حلّها بالتعاون مع رئيس المهجع، وفي الحقيقة وللتاريخ كان لنا دور قيادي رغم أننا لم نكن نستلم المهجع ورئاسته. والمشكلة الكبيرة التي جعلت رئيس المهجع بعد ذلك "يطقّنا برغي" (يشكونا – المحرر) لدى الأمن أننا وبقية المهجع اتهمناه بالخيانة، فإذا حصلت مشكلة يجب حلها داخل المهجع، ولكنه عندما يطرق الباب هذا يُعتبر خيانة، وهو كان يفعل ذلك ونحن اتهمناه بالخيانة، فانزعج منا وفسد علينا بعد ذلك، ونسيت ماذا كانت القصة، وبسببه تعرض البعض للضرب.

تجلى ذلك (المقصود المناطقية – المحرر) بشكل أساسي في صيدنايا (سجن صيدنايا العسكري) – المحرر)، ولكن بوادره كانت موجودة في الفروع (الفروع الأمنية – المحرر)، وعندما كنا في الإيداع في الـ 216 (فرع الدوريات في المخابرات العسكرية – المحرر)، وهو الفرع الملاصق لفرع فلسطين، قلنا لهم أن نأخذ زاوية وننظّفها ونجلس فيها نحن كأولاد دعوة واحدة، وليس كـ"شوام" (من أهالي دمشق – المحرر). وكان الشباب كلهم يتكتلون مع بعضهم كمحافظات، ووجدنا أنفسنا أننا غير متكتلين، فجمّعنا بعضنا في زاوية هي الأسوأ، وكانت في مواجهة باب التواليت، ونظّفناها إلى أن أصبحت نظيفة ومرتبة جدًا وجلسنا فيها.

وحينها بدأوا يقولون: "لماذا أخذتم هذه الزاوية؟"، بينما هم كانوا قد حيّدوا الجميع والكل تكتّل مع جماعته، بينما نحن لم نكن قد تجّمعنا، وفي كل أمر كانوا يقولون: "الشوام فعلوا كذا". وعندما حدث الهجوم الثاني على الفرع 216 أيضًا استنفرنا، واتفقنا وقسمنا بقية المهجع، وكان عدده قليلًا: 26 معتقلًا، ونحن كنا 5 أو 6 أشخاص، وبقية أولاد الدعوة في مهجع آخر، وقمنا بتوزيع باقي الشباب من باقي المحافظات على بعضهم البعض، ونحن كنا 6 أشخاص من دمشق ومعنا شخص من الغوطة من كفربطنا، والبقية من محافظات أخرى، فقسّمنا المهجع بين بعضنا. [بدأنا نخطط ونقول:] "في حال هربنا ننطلق ونختبئ في منزل أحد المعتقلين في الزاهرة، وبعد ذلك أنت تأخذ فلان"، فقد كان معنا معتقل من درعا مصاب وفي قدمه التهاب مفاصل ولا يستطيع المشي، [نقول:] "أنت تأخذ أبا مجاهد إلى منزلك"، ورسمنا ذلك بالحجر على المصطبة البازلت، "أنت تأخذ فلان، وأنت تأخذ جماعة تدمر". وضعنا خطه متكاملة، ورسمناها بشكل محكم. و[قلنا:] "أنت تتحرك من هذا الطريق"، فنحن نحفظ طرقات الشام (دمشق)، وكانت الحركة كلها باتجاه الزاهرة ثم الشاغور، ولم يكن هناك حركة باتجاه الغوطة، رغم أننا كنا على مدخل الغوطة، والاشتباكات الطاحنة كانت على مداخلها، لذلك لم نكن نفكر بالذهاب باتجاه الغوطة، وإنما الذهاب إلى الزاهرة، وكانت معركة الميدان قد انتهت حديثًا.

وعندما ذهبنا إلى صيدنايا ترسّخ هذا الموضوع، وعلى اعتبار أننا كانت تأتينا زيارات كثيرة كوننا "شوام"، وأهلنا قريبون من السجن، ولديهم واسطات، بينما باقي [المعتقلين من] المحافظات لا تأتيهم زيارات، فبدأنا نوصي [أهلنا] على ثياب إضافية ونوزّعها على المهجع، فيخرج البعض ويقولون: "من يظنون أنفسهم الشوام؟ علينا تكسير رؤوسهم". وأحدهم كان قد وصل إلى الزنزانة عاريًا، ونحن أعطيناه الثياب، والفضل لله طبعًا، لكنهم كانوا يتكتلون ويتآمرون ويقولون: "لماذا "الشوام" يساعدون؟ ولماذا يظنون أنهم القيادة؟"، بينما نحن طيلة هذا الوقت لم نستلم رئاسة أي مهجع.

هذا الشيء كنا نتعرض له، وكانوا يشتكون علينا، ويتمّ ضربنا، وكنا نتعامل مع هذا الأمر، ولكن للتاريخ يجب قول ذلك بصراحة لأنه كان مؤلمًا وحزينًا، فأنت دائمًا تفكر كيف كان النظام يثبت أن العاصمة معه حتى يأخذ شرعية، وفي الوقت ذاته الثوار ينبذون العاصمة، بينما لو كان فيها ثائر واحد من أصل ثلاثة ملايين دمشقي، لكان يجب أن تقول إن هناك ثلاثة ملايين دمشقي مع الثورة حتى تثبت سردية أن العاصمة معك.

كانت تصدر منا بعض الأمور، وأنا نبذوني شباب قضيتي لفترة، وهم "شوام"، لأنني كنت أتعامل كثيرًا مع الموضوع [بتفهّم]، وكنت أمتصّه، فأنا أكبرهم، وكنت أقول: "من المعيب أن نتحدث بهذه الطريقة"، ولكن في النهاية انفجرت وانزعجت، ولكنهم (أي الذين كانوا يتكتلون دوننا) شباب صغار وطائشون، وأنا كنت ضد سياسة "إذا هم نبذونا فنحن أيضًا سننبذهم".

يوم نقلنا إلى الإيداع كان يوم فرحة، أخذونا بالسيارات، ونحن كنا نظن أننا ذاهبون إلى المحكمة وبعد ذلك إلى المنزل، وطبعًا قبل خروجنا جاءنا خبر يقول إنه يوجد مهجع تحت مهجعنا، ومهجعنا كان في قبو الفرع، وإنه يوجد مهجع تحته سري، وفيه أشخاص مختفون قسريًا منذ زمن طويل، منذ زمن حافظ الأسد، ونحن ضحكنا قائلين: "هل يعقل أن هناك مهجع تحتنا"، ولم نصدق، [وكان قد] جاء أحد شباب دعوتنا من مهجع آخر بعد أن قيل له هذا الكلام، أي قال له أحد الشباب من المهجع الثاني: "بالخطأ أنزلوني إلى هذا المهجع حيث وجدت أشخاصًا لحاهم طويلة"، وهناك ما اعتبرناه مبالغةً، ولا أعرف إذا كانت كذلك، ولا أقول ذلك لأن النظام لا يمكن له أن  يفعلها، بل يفعلها "ويفعل أباها" (المقصود ما هو أخطر منها – المحرر)، ولكن [اعتبرناها] مبالغة [على أساس] أنه لماذا حتى يأخذونه إلى هناك؟ وما هذا الخطأ؟ [حيث قال] إنهم لا يعرفون أن بشار الأسد هو رئيس سورية، [ومازالوا يعتقدون] أن حافظ الأسد هو رئيس سورية. ونحن لم نأخذ ونعطِ بالموضوع، ولكن في اليوم الذي أرادوا إخراجنا فيه، قاموا بإفراغ المهاجع، وأخذونا لنركب في "سيارتَي اللحمة" (كانوا ينقلون بها المعتقلين بين الأفرع والسجون – المحرر)، وعندما كنا نصعد الدرج، وبشكل مقصود لم أصعد إلى الدرج وإنما اتجهت إلى الأرضية متاخمة للدرج، وتظاهرت أن ذلك حصل بالخطأ، وإذ وجدت بابًا لدرج سفلي ومعتم، وبدأ يضربني العنصر كفوفًا و"طيارات" (ضربني على رقبتي من الخلف – المحرر) وركلني، وسألني: "لماذا جئت إلى هنا"؟ وركلني جعلني أصعد الدرج، وبعد ذلك ركبنا السيارة (سيارة المعتقلين – المحرر)، وهنا أدركت أن هذا الكلام يمكن أن يكون صحيحًا، وهناك سجن أسفل مهجعنا.

(...) من درعا البلد، قال لنا إنهم في الفرع 291 عذّبوه بالمثقب والرافعة والمواد الكيماوية، وأنا هددوني بإبرة فيها مواد كيماوية، ولكنهم لم يستخدمونها، وكان هناك كما ذكرت الكرسي الألماني، ومضت الأمور على خير لأنهم لم يضطروا لأخذ المعلومات مني بعد أن كُشفت عبر المعلومات التي أُخذت من السكايب، ولم يعد هناك حاجة لأخذ المعلومات مني، فالمحادثات موجودة، وفي ذلك الوقت كان التعذيب ليس لأجل التعذيب، بل لأخذ المعلومات، فإذا جاءت المعلومات من دون تعذيب تنتفي الحاجة إليه.

ذهبنا 3 أشهر لـ [سجن] الإيداع، وركبنا في السيارة، وهنا كانت سورية قد دخلت في مرحلة الحرب تقريبًا، وكنا لأول مرة نرى دمشق بعد اعتقال دام أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر ونصف، ودون إنشائية أو كلام عاطفي، كانت دمشق حزينة ومدمرة.

نحن مررنا من أطراف دمشق، خرجنا من كفرسوسة واتجهنا إلى المتحلق، وفي اللوّان وأطراف كفرسوسة كان هناك مظاهر بدايات الحرب، وكان الجيش منتشرًا في كل المناطق، وكذلك الدشم، وهناك أبنية عليها آثار إطلاق رصاص. أكمينا سيرنا وعلى يميننا اللوّان وجنوب دمشق وآثار المعارك، ثم وصلنا إلى منطقة فيها قصّ، والتففنا من طريق المتحلق حيث هناك طريق مقطوع إلى الغوطة مباشرةً، ونحن لم نكن "مطمّشين" (مغطّى العينين – المحرر)، وكنا نراقب الطريق من طاقة "سيارة اللحمة"، وكنا نتبادل المشاهدة بالدور، وكانت الطاقة عالية، فكنا نشدّ جسمنا لنشاهد، وكان واضحًا أن البلد قد دخلت في حالة حرب، ولكن عمليًا كانت الأمور في بداياتها كعمل المسلح.

وصلنا إلى فرع فلسطين وملاصقً له فرع الدوريات (فرع الدوريات في المخابرات العسكرية – المحرر)، وهما ملاصقان لبعضهما البعض، أو هما بناء واحد، وقبل أن نصل بأيام كان قد حصل تفجير فرع فلسطين (وقع تفجيران انتحاريان منطقة القرار قرب فرعي فلسطين والدوريات بتاريخ 10 أيار/ مايو 2012 قُتل فيهما العشرات - المحرر)، أي قبل أسبوع تقريبًا، وعرفنا يومها أن طعام فروع الأمن العسكري كان يُطبخ في فرع فلسطين، ثم يتم توزيعه على الأفرع الأمنية، وفي ذلك اليوم تأخر علينا الطعام، ولم يأتِ حتى آخر الليل، وعرفنا من الأشخاص الذين ذهبوا إلى التحقيق وعلموا أنه قد نُسف المطبخ في الأمن العسكري، واضطروا لاستخدام مطابخ الفروع نفسها، أي المطابخ المحلية.

هناك حادثة نسيت ذكرها [عن الفرع 291]، خرجنا إلى التحقيق من قبل لجنة مؤلفة من رئيس الفرع 291 ومجموعة من الضباط، وجرى التحقيق ونحن "مطمشين" (مغطّى العينين – المحرر) و"مكلبشين" (مقيدين – المحرر)، وحققوا معي، ويومها سألني، وكانت تهمتي التنسيقيات والعمل الإغاثي، ولم يكن فيها شيء واضح وتفصيلي، وقال: "لماذا كنت ترسل المساعدات إلى حمص وبابا عمرو"، فقلت: "هذا شيء إنساني"، وقال: "ألا يوجد منظمات مرخص تُرسل المساعدات من خلالها؟"، قلت: "ليس لدينا ثقة بأي شيء مرخص من قبل الدولة، لأنه لن يصل"، لم يقل لي شيئًا. في هذه الجلسة يقرر رئيس الفرع إن كان هذا المعتقل سيُحال إلى القضاء الميداني أو القضاء العسكري أو القضاء المدني، فهذه اللجنة هي التي تقرر أين سوف تتم محاكمتك، وتأخذ خلاصة التحقيق وتسألك عنها وعن وضعك في الحراك، وإذا بدا لها أنه لديك دور قيادي معين من خلال بعض الأسئلة (...).

وأنا لا أعرف كيف استنتج [رئيس الفرع] أنه لدي دور قيادي، وسألني عن الإغاثة وتنسيقيات دمشق، وعن الغوطة الشرقية، وعن دورنا في المجال الطبي وفقط، وهنا استنتج وأصبح يركز على كوننا مجموعة لها علاقة بالعمل العسكري، وأنا أنكرت هذا الأمر، وقال: "أنتم مسؤولون وكنتم تريدون قتل موفق الأسعد" (اللواء موفق الأسعد – المحرر)، قلت له: "الشباب تورطوا بهذا الموضوع وأخبروني، وأنا لم أوافق"، فقال: "لكنك لم تخبرنا، وأنت أخبروك لأنك القائد، وأنت لم تخبرنا"، قلت له: "نعم، أنا لا يمكن أن أخبركم، وأنت تقول إنني قائد، فلا يمكنني الإخبار عن الشباب"، وأضفت له: "أنت الذي تقول ذلك، ولكنني لست قائدًا، ففي الحراك [هذا الأمر] لم يكن موجودًا، هناك أزمة لدى الشباب السوريين أنهم لا يعترفون بأحد وقد خرج معهم في نفس المظاهرة، وأن يكون هو القائد. فلا يوجد لدينا قائد، ولكن هناك منسق عام لمجلس قيادة الثورة أو مدير، ولكن قائد لا يمكن".

وطبعًا هنا لم أكن قد اعترفت بشيء له علاقة بمجلس قيادة الثورة، ولم يُعرف عني أي شيء له علاقة بالعمل العسكري مثل موضوع التصنيع الذي كان يحصل في ريف دمشق والزبداني وعلاقتي به، ومواضيع تمويل تلك الأنشطة، وبعض المصاريف وصرفها للعمل المسلح، فعلاقتي بهذا الموضوع لم يتم ذكرها أبدًا إلى أن تمت إحالتي إلى المخابرات الجوية، أي بعد سنة.

معلومات الشهادة

تاريخ المقابلة

2019/10/08

الموضوع الرئیس

معتقلات الأسد

كود الشهادة

SMI/OH/131-37/

رقم المقطع

37

أجرى المقابلة

سهير الأتاسي

مكان المقابلة

اسطنبول

التصنيف

مدني

المجال الزمني

2012

المنطقة الجغرافية

محافظة دمشق-مدينة دمشق

شخصيات وردت في الشهادة

كيانات وردت في الشهادة

سجن صيدنايا العسكري

سجن صيدنايا العسكري

الفرع الإداري في المخابرات العسكرية 291

الفرع الإداري في المخابرات العسكرية 291

المحكمة الميدانية العسكرية - نظام

المحكمة الميدانية العسكرية - نظام

فرع الدوريات في المخابرات العسكرية 216

فرع الدوريات في المخابرات العسكرية 216

كتيبة الحق - الكسوة

كتيبة الحق - الكسوة

الجيش العربي السوري - نظام

الجيش العربي السوري - نظام

فرع التحقيق في المخابرات الجوية

فرع التحقيق في المخابرات الجوية

معلومات الشاهد

الموضوعات المرتبطة

الكلمات المفتاحية

الشهادات المرتبطة