المقاومة السلمية في فرع الدوريات، والواقع الجديد في المعتقلات الأمنية
صيغة الشهادة:
مدة المقطع: 00:28:31
أخذونا إلى الإيداع، وهناك كانت "حفلة استقبال" لطيفة، عبارة عن خمس كابلات على القدمين، وكانوا من ألطف الكابلات التي تعرضنا لها في حياتنا، وكان حجم الصراخ والشتائم والكفر (عبارات السجّانين – المحرر) هائل ومرعب وإرهابي. وفي فترة الإيداع (...)، عندما تكتظ الأفرع يضعون المعتقلين في الإيداع إلى أن تحين محاكمتهم، وكانت فترة الإيداع - ثلاثة أشهر – بمثابة "ميريديان" الاعتقال (المقصود وكأنه فندق خمس نجوم – المحرر)، وكنا 25 شخص في مهجع يناسب عددنا تمامًا.
[تعرضنا] لشتائم بذيئة جدًا، ولكن بصراحة في هذا المكان لم يكن هناك الشتائم التي تتعلق بالأم والأخت والأب، بل كانت الشتائم تخصّنا بالذات، وطبعًا الكفر لابد منه، وهم يقومون بهذه الحفلة من أجل تخويفنا.
دخلنا، والطعام كان جيدًا، والمهجع تحت مستوى الأرض، والتواليت أعلى بثلاث درجات، ومع أن الفرع في منطقة سيدي مقداد في القزاز، أي على مداخل الغوطة وفي أول طريق المطار، وليس من المفترض أن تصلها مياه الفيجة، ولكن الفرع كان فيه مياه فيجة، وكان الماء باردًا جدًا ومتوفرًا بشكل دائم وغزيرًا، فنحن حوّلنا التواليت إلى حمام سوق، أي قمنا بشطفه وكانوا قد أعطونا كمية جيدة من الصابون، فنظفناه يومًا كاملًا، وحوّلناه إلى حمام سوق، وأغلقنا حفرة التواليت إلا عندما يدخل أحدهم إلى الحمام فيزيل قطعة الخشب وبعد ذلك يقوم بتنظيف كل شيء ثم يعيدها، ونعود ونجلس في هذا الحمام طوال الوقت ورديات (فترات بالتناوب – المحرر). وكانت هذه فكرتي مع الشباب أن يكون حمام سوق، وكنا طوال الوقت نتناوب في هذا الحمام، ورئيس المهجع أو الشاويش هو الذي يدير هذه العملية، ويجلس في هذا الحمام اثنان مقابل اثنين، وأرجلهم متداخلة ليتسع المكان لهم، يصبون الماء على أنفسهم ويتحدثون ويغنون ويلقون الشعر، ويمضي النهار بهذا الشكل، ويتحدثون في كل شيء: السياسة والثورة، ويرشقون الماء على أنفسهم.
حمام السوق كان أشبه بمنتدى يجلس الجميع فيه، [وكنا نقول:] "ألقاك في الحمام"، وأنا تحدثت عن الحالة المناطقية وهي أحد الأمور المحزنة، ولكننا في النهاية وفي المهاجع كنا أسرة واحدة بالرغم من وجود تلك الحساسيات. كنا نجلس في الحمام ونحلّ مشاكلنا هناك، وكأنه مقهى وحمام في الوقت ذاته، ونسكب الماء على أنفسنا، وكانت لحظات جميلة.
في هذا الوقت كتب أحد الشباب، استُشهد [لاحقًا] في صيدنايا كتب على الجدار (...)، وطبعًا عندما وصلنا وخلال ضربنا في حفلة الاستقبال، قالوا لنا: "لا نريد أن نرى أي كتابة على الجدران"، ذلك الشاب اسمه مصطفى دوابي، وكان "رأسه كبيرًا" (عنيد – المحرر) وصاحب مشاكل، كتب: "أحرار المهاجرين مرّوا من هنا" (حي المهاجرين في دمشق – المحرر)، وكان أبناء دعوتنا كلهم من المهاجرين، وفيها من الغوطة، ولكن الدعوة الأساسية من شباب المهاجرين، وهكذا عنوانها، وحتى الإضبارة عنوانها "شباب المهاجرين"، فكتب: "أحرار المهاجرين مرّوا من هنا: أبو فلان المرابط وأبو فلان شمسية..."، وهي حارات المهاجرين، وكتب بيت شعر عن الحرية. وفي أحد الأيام دخل أحد الشباب إلى الحمام، وأثناء تنظيف نفسه انقلع صنبور الماء، وتدفقت الماء وبدأت تغرق المهجع، فطرقنا الباب، جاؤوا وقطعوا الماء، وأخرجوا هذا الشاب الذي كتب على الجدران، وضربوه كبلين على رجليه ثم أعادوه، و[قالوا لنا]: "ألا يكفيكم يا كلاب أنكم تخرّبون البلد، أيضًا تخرّبون المهجع"، ونحن نضحك بيننا وبين أنفسنا. وأثناء خروج السجان نظر إلى الجدار، وقرأ: "أحرار المهاجرين مرّوا من هنا"، وقال: "ألن ننتهي منكم لا في الخارج ولا في الداخل؟ من كتبها؟"، فرفع يده هذا الشاب وقال: "أنا يا سيدي"، فقال له السجان: "اخرج"، وضربه فلقة، وقال له: "عد إلى المهجع وامحها ولو برأسك"، فعاد معه وبدأ يمحوها.
وعندما خرج السجان كان يريد كتابتها مرة ثانية، وأنا منعته، وقلت له: "فلنتعرض للضرب على شيء مهم، وليس لأجل أمر كهذا"، وبدأ يقول: "كلا، سأكتبها من جديد، أنتم جبناء، وأنت منذ أيام التنسيقية كنت تقف في وجهنا وتمنعنا من فعل أشياء نريد عملها"، وفي النهاية منعناه من كتابتها.
في هذا الوقت كانت المعارك على أشدها ونحن كنا على أبواب الغوطة، فهذا الفرع على مداخل الغوطة، وعلى اليمين ببيلا وبعدها عقربا، وعلى يسار طريق المطار بقية الغوطة الشرقية، ونحن في بداية طريق المطار، وكانت المعارك طاحنة يوميًا، وفي يوم عدم حدوث معركة كنا نكتئب. وفي أحد الأيام وقع هجوم بالفعل، وسمعنا صوت الشباب وقد أصبحوا داخل الفرع، وسمعنا تكبيراتهم وسمعنا هتافات ثورية "عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد"، سمعناها داخل الفرع، وكما ذكرت قبل قليل قسّمنا الناس بين بعضنا البعض، واعتبرنا أن الفرع قد سقط، وتملّك العناصر الرعب الشديد، وبدأوا يهربون قائلين لبعضهم: "اهرب واخرج"، ونمنا جلوسًا منتظرين أن يفتح الشباب الثوار الباب علينا، وبالأحرى لم ننم، وما إن غفت أعيننا فإذ بالباب يُطرق، وقد جاء السجان وهو يرتدي القميص الداخلي، وقال لنا: "أدخلوا الطعام"، وكان صوت المعركة هادئًا في الخارج، فقد فشلت العملية (وهو هجوم سابق لمحاولة هجوم الجيش الحر مرةً أخرى على فرع الدوريات في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2012 – المحرر).
في إحدى المرات كان السجان يتحدث مع أحد المعتقلين وهو يرتدي القميص الداخلي، واستُهدف الفرع بقذيفة هاون، واهتز الفرع وسقطت أجزاء من السقف على رأس السجان، فتجاهل الأمر، وعندما سقطت القذيفة الثانية قال: "إن شاء الله يسقط رأسكم، أنتم ومن في الخارج"، وأغلق الباب وذهب.
في ذلك الوقت، عندما يكون النظام متقدمًا أو منتصرًا تصبح معاملة السجانين جيدة جدًا، وعندما يخسر النظام - وفي الغالب كان يخسر - كان هناك سجان نسميه "الكلب" أو "عو عو"، فهو يفتح الباب "ويعوي"، ولا نفهم عليه ماذا يقول، فقط [وكأنه] يعوي، وهو يشتم ولكن بطريقة العواء، وحينها يفتح [الباب] ويشتم ويشتم ويشتم، فنعرف أن النظام يتلقى الخسائر في الخارج. وفي إحدى المرات كانوا يُخرجون أحد الشباب كي يأخذ دواءً للالتهاب، وهو كان يقف بجانب الجدار مقابل غرفة الإدارة، فاسترق النظر إليهم دون أن ينتبهوا إليه، وكانوا يشاهدون "قناة الجزيرة"، وكان الوضع مأساويًا، وكانوا يضربون كفًا بكف وهم يشتمون النظام لأنه ترك تلك المنطقة تسقط. عاد هذا الشاب إلينا، وبعد قليل جاء السجان "الكلب" وفتح الطاقة وقال: "الجميع واقفًا"، ونحن لم نكن قد فعلنا شيئًا أو تحدثنا بشيء، قال: "الجميع واقفًا وباتجاه الجدار، ولا أريد أن أراكم قاعدين أبدًا"، وبدأ يشتمنا قائلًا: "أنتم أخوات الكذا وكذا. سوف أذهب الآن، وإذا عدت ووجدتكم جالسين سوف ترون ماذا سيحصل لكم"، وكان يشتم أمهاتنا وأخواتنا.
اتفقنا بين بعضنا [قائلين:] "لماذا يفعل هذا الأمر؟ لن نرد عليه، ولن نقف"، والذي تولى هذا الموضوع رحمه الله، فهو استُشهد في هذا الفرع، وهو فاضل قربان من رنكوس من ريف دمشق، وأيضًا هو فاضل ومن خيرة شباب الثورة من رنكوس، وفعلًا شاب ورجل بكل معنى الكلمة، وهو شاب صغير من مواليد 1989، ولكنه رجل ثوري وصاحب نخوة ومروءة، وكان من الأمثلة الطيبة التي التقيناها، وقال حينها: "علينا ألا نردّ عليه، فيتعلم كيف يشتم أمهاتنا! إذا كان لديه مشكلة معنا فليشتمنا نحن". فتح [السجّان] الطاقة ووجدنا جالسين، فقال السجان: "لماذا أنتم جالسون؟"، فردّ عليه فاضل بهدوء وبلهجة رنكوسية: "لا نريد القيام حتى تعرف كيف لا تشتم أمهاتنا"، فقال السجان: "سوف أشتم وأشتم"، فقال فاضل: "لن نقوم، وما تستطيع فعله فلتفعله"، وبقينا جالسين.
معنا شخص من حلب، هو نفسه الشيخ الذي سبق وتحدثت عنه كيف دعا النقيب وجعله يدخل في الإسلام، وهو الشيخ مصطفى، وهو أكبر مني بقليل، هو من مواليد السبعينيات، ولكنه متأثر كثيرًا بقصة الثمانينات، وكان هناك جدل دائم بيننا وبينه في الفرع، فهو يعتبر أن النظام سيكرر [المجازر] وأكثر من الثمانينات، وقال [يومها]: "سيدخلون ويقتلوننا من أجل هذا الموقف"، وبدأ "يتشاهد" (يقول الشهادتين – المحرر) ويطلب منا فعل ذلك. وفعلًا بعد قليل فُتح الباب، وجاءت قوة كاملة، وفي داخل الفروع ممنوع الدخول بسلاحهم، أي يوجد منطقة معينة ممنوع على السجان أن يدخل بسلاحه، فدخلوا وهم يحملون الكبلات وقالوا: "اخرجوا جميعًا"، ولم نقبل في البداية، وبعد ذلك الشيخ مصطفى أصلحه الله ورحمه هو الذي كسر القاعدة وخرج وتجاوب معهم، وبعد ذلك خرجت أنا وخرج الجميع، وتعرضنا لضرب الفلق، ولكن الفلقة كانت لطيفة، ولم نتوجع، ولكن صراخهم كان أكبر من الفلقة، فسياسات التعذيب في الأفرع مختلفة عن [سجن] صيدنايا، في الأفرع لا يتركك [السجان] إلى أن تصرخ حتى لو لم تكن موجوعًا، بينما في صيدنايا إذا صرخت يزداد الضرب.
جاء دوري، وكان يتم ضربي وأنا لست متألمًا، وكنت صامتًا وربما كنت سأضحك بعد قليل، وطبعًا الضرب كان قويًا، ولكننا نحن "تمسحنا" (لم نعد نتأثر به – المحرر)، واستمرّ بالضرب وهو يقول لي: "ألا تتوجّع؟" وأنا لا أجيب، بعد ذلك بدأت أصرخ صراخًا حتى تركني. دخلنا وتجمّعنا، وهو كان يهدد ويتوعد، ثم جاء مدير السجن ومعه السجان، وقال: "قفوا إلى الحائط"، وسأل: "من يتحدث باسمكم؟"، فدفعني الشباب حتى أتحدث، وسأال: "ما هي القصة التي حصلت ولماذا لم تردّوا على المساعد؟"، فقلت له: "نحن نردّ دائمًا، ونحن ملتزمون بقوانين السجن، ولكنه يشتم أمهاتنا وأخواتنا. أنتم تعتبرون إننا مخطئين بحق البلد، ولكن لماذا تشتمون أمهاتنا وما علاقتهن بالموضوع؟"، قال: "الذي يشتم أمكم وأختكم فإن الشتيمة تعود له وحده، اجلسوا واهدؤوا واعتبروا أن الذي حصل لم يحصل"، وذهب، فجاء السجان وقال لي: "أنت سوف ترى، وسأعدمك حياتك وأقتلك"، ولكنه لم يفعل شيئًا.
في الكثير من الأحيان كان يدخل هذا السجان أو شخص آخر، ويكون هناك ما يحدث في الخارج، وعندما يدخلون لنا الطعام كان ينزعج من هذا الفعل، وفي إحدى المرات كانوا يوزعون التفاح أو الفواكه، وهم يسمونه "الدسير" (Dessert بالفرنسية – المحرر) في الجيش، ويوزعونها حسب العدد، فيوزعون 26 تفاحة على 26 شخصًا، وكان هذا خلال أيام العز في الاعتقال، وهي مدة ثلاثة أشهر في الفرع 216 حيث كان يمكنك أن تأكل تفاحة كاملة، وفي إحدى المرات عندما فتح باب المهجع رأى البعض منا نائمًا والآخر مستلقيًا، والبعض في الحمام يمرحون، وهو كان غاضبًا بسبب الضرب الذي يتعرضون له في الخارج (المقصود خلال المعارك مع الثوار – المحرر)، فبدأ يضربنا بحصة المهجع الآخر من التفاح.
ونحن في هذا اليوم بدلًا من أن يأكل كل منا تفاحة أكل تفاحتين، أي حصتنا وحصة المهجع الآخر الذي لم تدخله الفواكه يومها، وليس هناك طريقة حتى نعيدها لهم. وهنا في هذا اليوم نشأت فكرة البيع، وأصبحنا نبيع حصص [الطعام]، وهذه [الفكرة] أخذناها معنا إلى [سجن] صيدنايا وكانت موجودة أيضًا هناك، وكان هناك شاب اسمه محمد علي شاهين رحمه الله، وهو من شباب دعوتنا، وهذا الشاب بدين جدًا ويحب الطعام ويحب التذوق في الطعام، ومبدأ "العين تأكل" بالنسبة له مبدأ مقدس، فكان يشتري حصص اللبنة والزيتون من بقية الشباب مقابل الخبز أو طعام آخر، ويحضر البقية كي يأكلوا معه، وكنا نسأله: "أنت تشتري تلك الحصص، فلماذا تطعمها للبقية"، وكان يقول: "أنا أحب أن أشاهد المنظر، ولا أريد أن أرى القليل من اللبن، بل الكثير من اللبن والكثير من الزيتون كما كانت الحال أيام منزلي"، وهنا بدأت تنشأ قصة البيع، وكان البيع عبارة عن المقايضة بالخبز.
هنا نحن لم نكن نعرف ماذا يحصل في الخارج، وكنا منقطعين عن العالم الخارجي، وكانت تأتينا أخبار متضاربة أو نشعر بها، أن الثورة قد انكسرت. وفي أحد الأيام رأى زاهر الغميان في منامه أن الزبداني قد تحررت، والغوطة تحرر منها ثلاث أرباعها، وأن طريق الزبداني ولغاية بداية وادي بردى مع النظام بينما الباقي كله مع الثورة، وقدسيا والهامة كلها مع الثورة، أي أنه رأى كل هذه التفاصيل بشكل كامل وحقيقي، فقلت له: "كفى، هو مجرد منام"، ولم يكتمل النهار حتى دخل إلينا معتقل قد نقلوه إلينا، وعادةً لا ينقلون إلينا أحد، وتلك كانت من الأمور التي أثرت علينا نفسيًا، ونحن لم نكن نعرف إن كان هذا الشخص "عواينيًا" مخبرًا أم لا، ولكن بعد ذلك تأكدنا منه من عدة أمور، وتأكدنا أنه نظيف.
وبخصوص تهمته: هو أيضًا كان مهجعه منقطعًا عن العالم الخارجي، وفي المهجع الذي بجانبه أحضروا مجموعة من شباب [حي] الميدان، وذلك بعد معركة الميدان (دخل الجيش الحر حي الميدان في 15 تموز/ يوليو 2012 – المحرر)، ففتحوا ثقبًا في الجدار وسمعوا منهم كل الأخبار التي حصلت في الشام (دمشق – المحرر) وسورية، وعندما كشفوا هذا الثقب عذّبوا كل من في المهجع، ووزعوا أفراده بين المهاجع وأفرغوه، ونحن كانت حصتنا هذا الشاب، وحدّثنا عن كل شيء، والشيء الذي قاله لنا في المساء هو نفسه الذي رواه زاهر لنا عن منامه صباحًا وبالتفصيل بخصوص المناطق التي سقطت، طبعًا ليس بأدق التفاصيل، ومن التفاصيل أن المتحلق قد تمت السيطرة عليه، وداريا أصبحت خارج السيطرة، ونحن أصبحت معنوياتنا في السماء، ولم يعد لدينا مشكلة ولو بقينا خمس سنوات أخرى. وهكذا، عندما كان يصلنا خبر جيد عن الوضع في الخارج كنا نقول في أنفسنا مهما بقيت في المعتقل ليس هناك مشكلة طالما النظام منهك.
بعد ذلك وفجأة نادوا على أولاد دعوتنا بتاريخ 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، [وقالوا لنا]: "جهّزوا أنفسكم، غدًا صباحًا سوف نأخذكم"، [سألناهم:] "إلى أين؟"، [أجابوا:] "لا علاقة لكم بالموضوع".
وفي الصباح الباكر نادوا علينا، وكنا قد وزّعنا ثيابنا الفائضة على بقية الشباب، خرجنا وقيدونا، وأنا معي إصابة قديمة قبل الثورة في يدي، قلت للسجان: "لا تقيدني كثيرًا حتى لا تؤلمني يدي"، فقال له: "قيده أكثر"، وأضاف: "هذا هو المرياع، وهو قائدهم، عليك الانتباه منه"، والمتحدث هو نفسه الذي سبق وقال لنا "من يشتمكم [تعود له الشتيمة]"، فهم لا يعطون شيئًا بالمجّان، بل ينتقمون منا بعد ذلك.
طبعا في هذه الفترة، وشيٌ بالشيء يُذكر، أحد الشباب كانت بنيته ضعيفة جدًا، ووقع من درج الحمام وانخلع كتفه، طرقنا الباب فأخذوه إلى الـ 601 (مشفى المزة العسكري – المحرر)، وكانت المعاملة جيدة جدًا، وعالجوه بدون ضرب، طبعًا هذا كله قبل تموز/ يوليو [2012]، وأعادوه. وكان هناك معتقل اسمه عبد الرحمن السخني، وهو معروف من قيادات السخنة، وبعد ذلك أصبح أقرب إلى التطرف و"الدعشنة"، ولم تكن "داعش" موجودة في ذلك الوقت، ويسمونه "الرحماني"، وهو شاب خلوق جدًا، ولكنه انفعالي وصعب، وهو أكبر مني، وهذا الشخص جعلوه يظهر على التلفزيون، وبعد ذلك "دلّلوه" (عاملوه معاملة استثنائية – المحرر)، ثم أعادوه إلى السجن. وقلنا له: "عليك أن تترحم على نفسك لأنك ظهرت على التلفزيون، فأي شخص يظهر على التلفزيون يقتلونه في النهاية"، ثم اختفى.
أخذونا من هنا وركبنا الباص، وأعادونا إلى الفرع 291 (الفرع الإداري في المخابرات العسكرية – المحرر)، وكان طريق المتحلق مفتوحًا، وكنا "مطمشين" (معصوبي الأعين – المحرر)، وكنت قد انتبهت أننا اتجهنا على طريق المتحلق وعبرناه كله، وعندما ركبنا الباص قيل لنا: "أي شخص يرفع رأسه، سوف أطلق عليه النار"، وكان طوال الطريق يضربني بكعب المسدس. وصلنا إلى الفرع 291 الذي كنا قد جئنا اليه قبل سبعة شهور تقريبًا، والآن جئنا إليه مرة ثانية، واستُقبلنا بحفلة استقبال وحشية بكل ما للكلمة من معنى.
نزلنا ونحن مطمشون، وجعلونا نركع ونمسك خصر بعضنا البعض، وكان الضرب بالهراوات والكبلات العريضة والعصي المعدنية على جميع أنحاء جسدنا، وحتى على رأسنا، وأنا لا أعرف لماذا لم يُغمى علي، فقد كانوا يركلوننا على بطننا والمناطق الحساسة، واستمر الضرب إلى أن وصلنا إلى القبو، وهناك أشخاص أُغمي عليهم، ولكنهم أوقفوهم وسحلوهم، إلى أن دخلنا في الحائط حرفيًا.
جاء عنصر أمانات الفرع، وهو يدّعي دور ملائكة الرحمة، وقال: "كفى! اتركوهم للشباب"، وأعطانا المناديل، وفكّ قيودنا، وقال لنا: "ابصموا"، سألناه: "على ماذا؟"، فقال: "ابصموا"، سألناه: "هل سنخرج؟"، فقال: "تقريبًا، الله كريم". بصمنا على أماناتنا ما عدا اللابتوبات وحقائب سفر من كان مسافرًا واعتُقل كحالتي أنا ومعتقل آخر، [وعلمنا بذلك لأن أحد الشباب تمكّن من رؤية ما كُتب، وعمليًا نحن لم نأخذ أجهزة اللابتوب.
هنا عرفنا أننا لن نخرج لأنهم لم يعطونا اللابتوبات، ولم يعطونا الأمانات، بل فقط جعلونا نبصم على الجزدان والهوية والمال الموجود معنا، وكل بقية الأشياء التي وجدوها معنا لم يعطوها لنا.
وضعونا في غرفة، وقلنا لهم نحتاج إلى ثياب من أغراضنا، فأحضروا لنا حقيبة وقالوا: "خذوا منها ما تريدون"، فكسونا أنفسنا جميعًا لأن ثيابنا كانت ممزقة تقريبًا في الفرع 216 (فرع الدوريات – المحرر)، وكانت تلك حقيبتي وحقيبة صديقي، ووجدنا فيها علبة سكر، وكانوا قد وضعونا في غرفة تحقيق وأقفلوا بابها علينا، وعندما وجدنا في الحقيبة علبة سكر بدأنا نأكله، وكانت رؤيته بمثابة الحلم بالنسبة لنا.
في الفرع 216 من الأمور التي كنا نعالج بها الالتهاب والخراجات، ولم يكن لدينا سكر أو ملح، وكنا نستطيع أحيانًا إحضار بعض الملح، فكنا نقوم بتعفين اللبن، ونتركه لأيام حتى يعفّن، ويُستخدم كمضاد حيوي يساعد في علاج الالتهابات.
في هذه الغرفة، جاء السجان بعد ساعة وضربنا جميعًا وقيّدنا إلى الخلف ووضعنا في منتصف الممر، فاكتشفنا أن المهاجع التي كنا فيها سابقًا قد امتلأت بضعفَي العدد، وأصبح عدد المعتقلين المهجع 120-140 معتقلًا، وقد كان السجان يدور بين المهاجع ويسألهم عن العدد في كل منها، والزنازين التي كانت تتسع لخمسة كان فيها 15-20 معتقلًا فوق بعضهم البعض، ونحن كنا في المنتصف وليس لنا مكان في المهاجع، وكانوا يركلوننا ويضربوننا ذهابًا وإيابًا. كنا نسمي الفرع 291 فرع الصراصير بسبب وجود عدد كبير من الصراصير، ولكن أصبح العدد هائلًا بحيث وصلوا إلى السجّانين، فقرروا بخّ السجن، وكانوا يبخّون المبيدات أثناء تواجد المساجين في المهجع، وعندما كانوا يمرون من أمامنا كانوا يبخون على وجهنا، ويقولون لنا: "أنت الذي تستأهل الموت، وليس الصرصور"، وكان يأتون بعدد من الصراصير ويضعونها في صدرنا أو في وجهنا، ويقولون لنا: "اليوم سوف يحصل كذا مع أمهاتكم، وسوف يتمّ إعدامكم"، ونحن كنا نظن أنهم يخيفوننا، ولكن عمليا هكذا كان القرار.
بعد ذلك أخذونا ووضعونا في "فان" (باص صغير – المحرر) واحد في نفس اليوم، وكانوا يضربوننا طوال الطريق بأعقاب البنادق، ونحن كنا نظن أننا ذاهبون إلى المحكمة العسكرية ثم سنخرج، ولكن أثناء السير، ولأنني كنت أعرف شوارع دمشق، عرفت أننا نزلنا إلى شارع التوجيه أمام وزارة التعليم العالي، ثم نزلنا إلى ساحة الأمويين، وذهبنا باتجاه شارع بيروت، ثم إلى شارع الثورة ثم اتجهنا إلى شارع العدوي، أي أننا ذاهبون إلى القابون، وهذا يعني أنهم سيأخذوننا إلى [سجن] القابون لمدة يومين وبعد ذلك يأخذوننا إلى القضاء العسكري في المزة، وهنا سألت نفسي" "لماذا لم يأخذوننا مباشرة إلى القضاء العسكري، فهو أمامهم".
كانوا يضربوننا طيلة الطريق، ويسألون المعتقلين غير المتزوجين عن أرقام [هواتف] أخواتهم، والمعتقلين المتزوجين عن أرقام [هواتف] زوجاتهم، [فيقول أحدهم:] "أنت زوجتك مرّت عليها سبعة أشهر بدونك، وأنا سوف أسلّيها، وأنت أختك كذا (...)"، وأحد الشباب بسبب كثرة الضرب أعطاهم رقمًا أعتقد أنه رقم خاطئ، وأنا لم أعطه، وكان يضربني طيلة الطريق ولا أردّ عليه. وصلنا إلى مشارف القابون، وكانوا يقولون لبعضهم البعض: "أرأيتم؟"، وكان واضحًا من كلامهم أن القابون على الأرض (مدمّرة بالكامل – المحرر)، ويقولون: "أترون القابون كم هو مدمّر! سوف نجعل منه ملاعب ومنتزهات لأولادنا".
هنا كانت سورية قد دخلت في حالة حرب منذ ثلاثة أشهر، وفي حالة الحرب كان الوضع في المخابرات العسكرية سيئًا، وكان رفيق شحادة هو رئيس الفرع، وهو أخو شريف شحادة، وذلك بعد عبد الفتاح قدسية، وأصبح الموت عاديًا جدًا في هذه الأفرع. وهنا ذهبنا إلى الميدانية (المحكمة الميدانية العسكرية – المحرر).
والمعتقلون الذين بقوا في الفرع 216، والذين كانوا من كافة المحافظات وكنا سعداء مع بعضنا البعض، هؤلاء من لم يذهب منهم إلى سجن صيدنايا ظهرت صورهم في صور قيصر (فريد المذهان الذي سرّب آلاف الصور لمعتقلين توفوا تحت العذيب – المحرر)، وأنا تعرفت عليهم في صور، ومن خلال تصنيفهم في صور قيصر [يتضح] أنهم قد توفوا في الفرع 216، فعمليًا بعد أن خرجنا تحول الفرع إلى مكان سيء جدًا، وأُعدموا جميعًا لسبب نحن لا نعرفه، ويبدو أنه حصلت مجزرة معينة، فماتوا جميعهم بتاريخ متقارب حسب الصور التي كانت مؤرّخة بتاريخ تصويرها، وأنا أعطيت هذه المعلومة أنه بتاريخ متقارب حصلت مجزرة في هذا الفرع لأن كل رفاقنا ماتوا فيه.
معلومات الشهادة
تاريخ المقابلة
2019/10/08
الموضوع الرئیس
معتقلات الأسدكود الشهادة
SMI/OH/131-38/
رقم المقطع
38
أجرى المقابلة
سهير الأتاسي
مكان المقابلة
اسطنبول
التصنيف
مدني
المجال الزمني
2012
المنطقة الجغرافية
محافظة دمشق-مدينة دمشقشخصيات وردت في الشهادة
كيانات وردت في الشهادة
سجن صيدنايا العسكري

الفرع الإداري في المخابرات العسكرية 291
المحكمة الميدانية العسكرية - نظام

فرع الدوريات في المخابرات العسكرية 216